مقتطفات من رواية أناشيد الألم (83)

سنة النّشر 1987

ذهبت أهيّئ شراب الشّاي، فرغبت نادية في أثناء فترة غيابي عنها، في الاستماع إلى إسطوانة بحيرة البجع لتشايكوفسكي، وبلغت تلك الألحان الشّجيّة مسمعي، بينما كنت أحضّر ذلك الشّراب السّاخن في المطبخ، فأضرمت مشاعري تلك الأنغام الهادئة، وبدأت تتصاعد نحوي سحب البخار من الماء المغلي، فلفحت بحرّها جبهتي، وارتددت إلى الخلف، وكان قد تملّكني الشّرود، وأنا أتأمّل وسط تلك الأبخرة الحارّة.

رمقتها بينما كانت ترشف شراب الشّاي، وقد أشرق وجهها وزالت عن نفسها تلك الغموم، وأخذت أحدّثها عن أولئك الأشخاص الذين ألّفت المحبّة والمودّة بيني وبينهم من الأهل والخلّان، فأذكر لها ما تفيض به ذاكرتي من الأحاديث والخواطر، وكنت أرى تأمّلها المتعمّق في ملامح الأفراد الذين كنت أصفهم في حديثي، حتّى يخيّل لي أنّي أرى معالم كلّ وجه، طبعت صورته في ذهني، وحدّثتها عن أوصافه في مقالي، قد تشكّلت على وجهها، وتمثّلت في هيئتها، لشدّة إغراقها في الإصغاء الدّقيق إلى حديثي، ولإمعانها في التّفكير المتروّي في كلامي، فبتّ أتعرّف تارة أخرى بقسمات تلك الوجوه، من خلال تلك الصّور التي أشاهدها على وجه نادية، فأشعر بدنوّ هؤلاء الأشخاص إليّ، وأحسّ باقترابهم منّي، وأسترجع الذكريات المشتركة بيني وبينهم، حينما أنظر متأمّلاً إلى محاسن وجهها الأبلج، الذي تشرق في طلالته أساريرها الزّاهية.

التعليقات


إضافة تعليق