مقتطفات من رواية أناشيد الألم (82)

سنة النّشر 1987

أبصرت في وجهها بعدما فرغت من حديثي ابتسامة زاهية، دلّت بها إلى وداعة خلقها، وزادت في إشراقها تلك العبرات التي انهلّت على خدّيها، وتلك الجهشات المسفوحة على وجنتيها، فبانت كلآلئ منثورة تلمع فيها هواجسها النّيّرة وأحاسيسها الرّقيقة، ومددت يدي المرتعشة نحو تلك القطرات، لأكفكف تلك الدّموع الهوامع، إلّا أنّي أحجمت عن ملامستها، لخشيتي أن أدّنسها، وحسبي أنّي شهدت تألّقها الفتّان، واجتزأت بما اعتراني من التّأثّر المفعم بالشّعور الصّادق، وأنعمت النّظر في ملامحها، فلم أجد فيما خلا من الأيّام مثيلاً لذاك الوجه الجهير الذي يسلب اللّبّ بحسنه، ويخلب الفؤاد بقسامته، بقدر ما يدهش الفكر ويبهر الذّهن، وكنت أحسب أنّ وجود تلك الهيئة بما تتّسم به من النّضارة والملاحة، هو ضرب من المحال، ونمط من الخيال، وأمّا الآن، فإنّني ألمح تلك الصّورة بباصرتي وأكاد ألمسها بيدي، لولا مخافتي من أن أعبث بتلك الجبهة التي تشرف عليها بغضونها، وأفسد تلك الدّموع التي تزيّنها، وأشّوش انتظام تلك الأسارير التي تؤطّرها، ثمّ ما لبثت أن جرضت بريقها، وخاطبتني بلهجة هادئة، فقالت:

عذراً إن كدّرت صفو نفسك بتلك الغموم التي أثارت مشاعري، فلم أستطع أن أردّها عنّي، أو أخفيها في مكامن نفسي.

فقاطعت كلامها، خوفاً من أن تبلغ في كيانها حدّة التّأثّر غايتها القصوى في أثناء حديثها، فقلت لها:

يغمر نفسي الشّعور بالانشراح، لما شاهدته بعيني من معالم سموّ الإحساس ورفعته، فيجب ألّا نشيح بوجهنا عن مخايل الأشجان، وألّا ننكص على أعقابنا حينما نقترب منها، فمن الضّعة أن نجهر ببأسنا تجاه رقّة العواطف، وهي أوهى من تلك النّسمة الوانية، وأن نتحلّى بالصّلابة إزاءها، وهي أرقّ من أعطاف تلك الأزهار المنتشرة في الرّوض، فإنّي أستمدّ من تلك الدّموع التي رمعت بها عيناك، البواعث الثّابتة على تحقيق متانة عزيمتي وصفاء بالي، ومهما أظهرت لك من الدّلائل على شكراني لك، فإنّها تعجز عن إيفاء حقّ معروفك من المدح والثّناء؛ وينابيع العطاء التي تنبجس في كيانك، لا تلتفت إلى ما يردها من جداول الشّكر والإطراء، لأنّ معينها لا ينضب، وإن تعاقبت عليها العصور وتوالت الدّهور.

أصبح كلّ حرف كنت أتلفّظ به، نجوى تمرّ على رحاب فكري، وتلج في شعاب مشاعري، وتنفذ في لواعج عاطفتي، وتسري في عروق جسدي، فتتضمّخ في عبورها أغوار نفسي، بالعطر الأريج، ويعبق بها الطّيب الفوّاح الذي ينتشر من مكامن الخواطر التي ينثني عليها صدري، حتّى تغدو الكلمة كياناً مليئاً بالحسّ مفعماً بالشّعور.

أنصتت لي وقد جلّل الهدوء ملامحها من دون أن يختلج طرفها، فكأنّها تمرّست بسماع أنشودة الوله، وتعوّدت الإنصات لأغرودة الولع، إلاّ أنّها لم تصادف قط على مدار أيّامها الماضية مثيلاً لذلك الصّدق الصّريح، الذي اشتملت عليه عباراتي، وإن كانت تعوزني بعض الدّلائل، لأشير بها إلى وجود العواطف الجيّاشة في نفسي، فكنت ألتمس من الألفاظ ما رهف حدّها، وأتخيّر من النّظرات ما رقّت لمحتها، فترى في لهجة كلامي ذلك الصّدق الذي يمنح عبارتي روعة وملاحة، ويهبها عذوبة وفصاحة، وهيهات أن يدرك ذاك الشّعور أحد سواها، فيظلّ مستتراً عن نظرة الباصرة، ومحتجباً عن فكرة الخاطرة، لا يكاد يلحظ أحد وجوده، ويتيقّن من رسوخه في نفسي.

جرضت بريقها: ابتلعته بالجهد على همّ وحزن.

التعليقات


إضافة تعليق