مقتطفات من رواية أناشيد الألم (81)

سنة النّشر 1987

أصغيت إلى حديثها، فأكاد أتلقّف كلّ لفظة من كلامها، لتخلّف في نفسي رقشاً لا يمحى، وتخطّ في كياني نقشاً لا يفنى، فسلبت لبّي آراؤها الثّاقبة، وخلبت فكري كلماتها البليغة، وصمتت وهي تتهيّأ لسماع ما أهمّ بالتّحدّث به، وتردّدت في أن أشرع في مفاتحتها بحقيقة ما يجول في خاطري، وأنا أنتقي المستهلّ الأنسب لمقالي، ثمّ حسمت عنّي شأن تلك الحيرة، والتفتت إليها قائلاً:

إن تراءت لك مخايل تلك العاطفة التي تجلّل ملامح وجهي، وتخالط كلّ تصرّف من فعالي، وإن أصغيت إلى زفرات الوله، تمازج نبرة صوتي، فلا ترتابي من معالم ذلك الولع، ولا تنسبي دوافع ذلك الجوى، إلى مقابح الأخلاق، ولا تصفيها بالسّوء المنتشر والفساد المستشري، فإنّي إذا عمدت إلى كتمان ذلك الشّعور الذي انبعث في كياني مذ رأيتك، فكي لا تتجاذبك الظّنون في طبيعة مشاعري، وقد اتّبعت سبيل الرّشاد آخذاً بسنن الفضائل الرّفيعة، التي طالما تلّهفت إلى أن أتلقّى منها الهداية البالغة والنّصيحة السّديدة، وقد آليت على نفسي أن آخذ بتلك المواعظ الجليلة طيّعاً لأمرها ورضيّاً بهديها، وكان اتّقاد ذلك الشّعور في كياني يثير فكري، وينبّه ذهني، فلا تخدّرهما شهوة وضيعة أو يشغلهما هوى طائش، فإن حالت بين مشاعر النّفس وذلك الذّهن العوائق، فلا بدّ من أن ينطفئ لهيب تلك الأحاسيس، كوهج الصّيف عندما يتبدّد في مستهلّ الخريف، فمهما استعرّ لهب تلك العاطفة، فلا يغشى أوارها ذهني، ولا أتيه في مساربها مضلّل الفكر، وإن أظهرت لك الآن ما جال في فكري من الخواطر، فلأنّي توخّيت أن أبدّد ارتيابك من حقيقة دأبي في الإحاطة بأحوال الشّعور، التي مررت بها فيما خلا من الأيّام، وقد كنت أتبصّر برويّة الفكر، وتدبير الذّهن، في طبيعة تلك المشاعر التي كانت داخلتك.

 

أوارها: الدّخان. 

التعليقات


إضافة تعليق