مقتطفات من رواية أناشيد الألم (80)

سنة النّشر 1987

كانت نادية تخوض في غمرة المحاورة الدّائرة فيما بيننا، بهدوء المنطق الحصيف، وسكون الخاطر الواعي، وصفاء الذّهن المشرق، فتلج في هذا المجاز الشّاقّ من الأفكار والخواطر بيسر وسهولة، فلا تعيقها عقباته عن مواصلة سيرها فيه، أو توقفها حوائله، وكانت تؤيّد خواطرها في بعض الأحيان بقبس من شعلة عاطفتها المؤجّجة، فيضيء شعاع فكرها أذهان النّاس الذين يتلقّفونه، وهو يسحر الألباب ويفتن النّفوس بأنوار تلك الآراء التي تفصح عنها، وبدأت تتبدّد لظى تلك المحاورة، ويفترّ حرّها في مهبّ تلك الرّياح الصّوارد، التي يمتدّ نفحها نحونا عبر خصاص النّافذة التي انفتح مصراعاها منفرجين، فسعيت إلى أن أطبع على هذا الحوار، بعضاً من تلك الكلمات الحارّة، التي تقتبس جذوتها الملتهبة من ضرام مشاعري المتّقدة، وحاولت أن أضمّن كلامي، نبذاً يسيراً من تلك العبارات التي تتّقد بنيران العاطفة المتأجّجة، إلّا أنّني امتنعت عن الخوض في هذا الحديث، فمن الضّعة أن أنتهز تلك الحالة من التّأثّر والانفعال اللذين تبعثهما في نفسها مشاهد الطّبيعة، لأكاشفها بخواطر نفسي وحقيقة عاطفتي، وهي أولى بأن تظلّ في طيّ الكتمان، وأن يلسع حرّها أحناء ضلوعي، عوضاً من أن أوجّه لفحها الملتهب إلى نادية، ثمّ التفتت إليّ بعدما فرغت من تأمّلها في تلك المشاهد التي تلوح من خلال النّافذة، وقالت لي:

إنّه ليبهج نفسي إن اتّخذتني مؤانسة لك، ووجدت في هذه الصّحبة التي تؤلّف بيننا، سلوة لك في هذه العزلة التي تروق لك، ويسرّني أن أهيّئ لك أسباب تلك الغبطة التي تهنأ بها، إلّا أنّ تأثير متع هذه المسرّة التي تشعر بها آنئذ، يقتصر على نطاق الذّهن، وتنحصر لذّاتها في مجال الفكر في هذه العلاقة التي تجمع بيننا، فأخشى ألّا تمتدّ ظلال تلك السّعادة لتشمل مجامع قلبك، ولا تعمّ مسرّتها كيانك ، فأكدّر عندئذ صفو مشاعرك، وتخضع لرابطة تمنّي نفسك بزوالها عنك، وتذعن لعِشرة تغرض منها، وتضجر بها؛ وإن كانت تلك الأشجان التي أثارتها في نفسي وقائع المراحل العصيبة التي مررت بها في السّنين الماضية، لا تبرح تلازمني، إلّا أنّي أهاب أن تبعث تلك الغموم النّفور في نفسك من تلك الصّحبة التي تؤلّف بيننا في هذه الأيّام، وأتخوّف من أن يثير ذلك التّقلّب الذي يعتري مشاعري، بواعث الملل والشّكوى في نفسك، وإن كان ما يأصرك عليّ، هو رهافة حسّك ورقّة طبعك، وقد ظللتَ تتحلّى بالخصال الكريمة، وكنتُ أسعى دوماً في أن أظهر أمامك بتلك الهيئة التي شكّلتها لي في مخيّلتك، وصغتها في فكرك، وأجهد في أن أنقل تلك الصّورة المتكوّنة في خيالك، إلى ملامح وجهي ومعالم هيئتي، ليسرّ بها خاطرك، وترضى بها نفسك، ولا أنكر أنّك قد عثرت على ضالتك المنشودة، في جزء محدّد من تلك الصّورة التي ترنو إليها، إلّا أنّي أخشى أن تخفى عليك سائر أجزائها، وقد احتجب بعض أشكالها من دون أن يتّضح له أثر.

التعليقات


إضافة تعليق