مقتطفات من رواية أناشيد الألم (79)

سنة النّشر 1987

وما لبثت أن نهضت عن تلك الأريكة، واتّجهت نحو النّافذة لتتأمّل من خلالها مناظر الطّبيعة، فانفسح طرفها في أديم السّماء وآفاقها البعيدة، ومشيتُ إلى ذلك المكان الذي كانت تقف فيه، وما إن أصبحتُ بالقرب منها، حتّى قلت لها:

_طالما كانت تمتدّ أنظار النّاس إلى أعنان السّماء، ليبحثوا عن أنوار تلك الأنجم التي تبزغ بين الغمام الدّاجي، وليطالعوا فيها تلك الصّورة النّضرة التي أودعتها أخيلتهم ذات مرّة بين فسحها المتّسعة، فيتتبّعون معالمها في أصقاع هذه السّماء حتّى يعثروا عليها، فيرنون إلى معالم تلك الصّورة، التي ما برحت تزيّنها أنوار الأنجم التي تلوح في أصقاع السّماء، فتدهشهم بجمالها وتفتنهم بروعتها.

فالتفتت إليّ وقالت:

_ما أبهى المخيّلة حينما تؤلّف بين مشاهد الطّبيعة الخلّابة وتلك الخواطر التي تكمن في النّفس، ونكاد نعجز عن إدراك تلك الأشياء التي تحيط بنا، ونشاهدها حولنا، وإن أظهرنا غوامضها بالشّرح الدّقيق، وبيّنا أحوالها بالتّفسير السّديد، إذا نظرنا إليها بالمشاهدة المجرّدة من التّأمّل، وبالملاحظة المفتقرة إلى الخيال، فهذا الوصف الذي تفيض به المخيّلة يبهر اللّبّ ويفتن النّفس، ويسمو بمداركنا العقليّة إلى المراتب العالية، التي لا نكاد أن نبلغها، حتّى تظهر لنا خوافي الأشياء المحيطة بنا، وتتكشّف أمامنا أسرارها كافّة، فتهيّئنا تلك المخيّلة إلى أن ندرك ذلك العالم الممتدّ الأطراف، فنلج في نواحيه، ونوغل في أرجائه على بيّنة وهدى.

فقلّت لها مؤكّداً آراءها، ومنوّهاً بالبراهين الجليّة التي أفصحت عنها في كلامها:

_إنّ صور تلك المخيّلة لا تموّه حقائق الأشياء ولا تلبّسها علينا، وإن استحضر الخيال مشاهد الطّبيعة الفاتنة، فكي يدفع بشعورنا إلى أن يألف تلك المناظر الزّاهية، التي ترهف أحاسيسنا، وتبهج نفوسنا.

التعليقات


إضافة تعليق