عرّجنا على بعض المتاجر ونحن نتّجه في مسيرنا إلى ساحة عرنوس، فابتاعت نادية فيها حاجياتها، وما لبثت أن أخذت تنظر في تلك الأكياس التي حوت السّلع التي اشترتها، وهي تقدّر في ذهنها مدى استطاعتها أن تحملها خلال تلك المسافة التي يجب علينا أن نقطعها، فمددت يدي إلى تلك الأكياس لأساهم في تحمّل أعبائها، فأبت أن أتكلّف مشقّة ذلك العون الذي أقدّمه إليها، وقد أسقطت في تقديرها أثر ذلك الحديث الذي سنتداوله، حينما يرفّه عنّا ذلك الكلام الذي سنتبادله، ويزيل عن جسدينا المجهدين التّعب، فألححت في طلبي، وقلت لها:

لا تقتضي مشاركتي في حمل هذه الأكياس، أن أبذل جهداً كبيراً مثلما تتوهّمين تلك الكلفة التي قد أتجشّمها، ولا ريب في أنّ خضوع النّفس لوطأة العواطف الجيّاشة فيها، أفدح من عناء الجسد وأشقّ من تعب الأوصال.

فأجابتني قائلة:

هذا النّصب الذي يوني الجسد، لن يكون عوضاً عن سعادة مسلوبة وراحة منهوبة.

لم تكد تلوح من بعيد مشارف منزلي، حتّى أشرت عليها أن نغتنم فترة من الرّاحة في مسكني، فأومأت برأسها مبيّنة موافقتها على اقتراحي، وبتّ في هذه اللّحظة أرغب في سماع نغية صوتها ورقّة همسها، وسعيت في أستكشف في عينيها السّاجيتين، ونظراتها الحالمة، نجوى خواطرها من دون أن أتمكّن من أن أتبيّن أفكاراً جليّة وهواجس واضحة.

بلغنا البناء الذي أقطن فيه، وارتقينا في الدّرج مسرعين في الصّعود، وما إن ولجنا داخل المنزل، حتّى بادرت نادية إلى الجلوس على الأريكة بجانب المدفأة، وشرعت أضرم النّيران في الموقد، فحدّقت نادية إلى ألسنة اللّهب التي بدأت تتأجّج، فارتدّت أشعّة النّيران المتلألئة البرّاقة عن جبينها الأبلج ومضاً لامعاً، وانتشر سنا ذلك الضّياء نحو صدغيها وأشرفت الأنوار على وجنتيها، وأورفت ظلال ممتدّة إلى خدّها الأسيل وثغرها الرّفّاف، وارتعشت أهداب عينيها خفّاقة، فتقطّعت من خلال الرّموش أشعّة ذلك الضّياء المنعكس عن عينيها الدّعجاوين، فيرتدّ قسم منها إلى قرارة نفسها لينير فيها الخواطر والأفكار المحتجبة، وينفذ البعض الآخر بين تلك الأهداب، فيصيبني وهجه المتّقد ونوره السّاطع.

الرّفّاف: البرّاق.

التعليقات


إضافة تعليق