مقتطفات من رواية أناشيد الألم (77)

سنة النّشر 1987

كنت كلّما أقطع في مسيري بعض تلك المسافة التي تفصلني عن المكان الذي ألتقي فيه نادية، تغيب عن ذهني العبارات والأفكار التي أعددتها لهذا اللّقاء، حتّى يتلاشى كلّ أثر لها عندما أدرك ذلك الموضع الذي نتلاقى فيه.

رأيتها تقبل نحوي، فهدأت مشاعري المضطرمة، وسكنت خواطري المضطربة، فشاهدتني على هذه الهيئة، فكأنّه لم تضرم أحاسيسي لوعة الهوى، أو تؤجّج عواطفي تباريح الشّوق، وسعيت في أن أوقد أوار لواعجي، وألهب شعلة صبابتي، لتلفح بحرّها ملامح وجهي، فيظهر في أساريري وميض لامع من اتّقاد عاطفتي، إلّا أنّني لم أفلح في مسعاي، فلم يظهر أثر لتلك العاطفة، وكنت أظنّ أنّ بصيرة نادية لن تغفل عن معالم ذاك الهوى، أو تسهو نظراتها النّافذة عن مظاهر ذلك الجوى الذي ينبعث في نفسي، فنعمت في هذا الاعتقاد بطمأنينة النّفس وراحة البال.

بادرت فوراً بعدما تبادلنا التّحيّة، إلى استفسارها عن أحوال والدها، فأجابتني قائلة:

أحمد الله بارئ الكون، الذي أنعم على والدي بالشّفاء من مرضه والإبلال من سقمه.

وصمتت، كأنّها تستكمل في نفسها دعاء الحمد والشّكر لله، ثمّ التفت إليّ وقالت:

عسى أن يكون قد انطرح عنك عناء العمل وغمّاء الملل، في تلك الأيّام الماضية التي حالت دون أن نلتقي.

وأجبتها متحدّثاً بلهجة شابت نبرتها دلائل الدّعابة:

أقبلت الدّنيا عليّ بالغبطة والمسرّة في تلك الأيّام الغابرة، حتّى وددت أن يشاركني في الابتهاج بنعمها الخيّرة، خلصائي جميعهم.

فقالت لي:

هل أمنّي نفسي بأن ألتمس تلك السّعادة منك، فأقاسمك بهجتها، وأشاطرك فرحها.

أومأت برأسي مشيراً إلى موافقتي على طلبها الذي أفصحت عنه، وقد رأيت في كلامي الذي أخبرتها فيه عن شؤوني التي استوضحتني عنها، نمطاً من طرائق التّضليل والمخادعة في إظهار حقيقة أحوالي وطبيعة أموري، فقرّرت أن أحجم عن هذه المداعبة، وعزمت على ألّا أتطرّق إلى ذلك المزاح أبداً في الأيّام القادمة.

التعليقات


إضافة تعليق