رسخت في نفوس النّساء العربيّات منذ الزّمن القديم، صفات الأنفة والإباء، إذ ما برح يشتدّ اعتزازهنّ بسجاياهنّ الرّفيعة التي كنّ يتحلّيْنَ بها، فكانت أولئك النّسوة العربيّات، منذ الوقت الذي سبق ظهور الدّين الإسلاميّ الحنيف، شديدات الشّكيمة، وأبيّات الضّيم، لا يخضعن إلى هوان، ولا يرضين بالخسف والذّلّ، فتأكّد بزوغ تلك الصّفات الخلقيّة عند المرأة العربيّة، في تلك الفترة التي سمّيت بالعصر الجاهليّ، حيث تميّزت في ذلك الأوان الموغل في القدم، تلك المرأة بالخصائص الخلقيّة الحميدة، التي توارت خلف ركام من النّصوص والأخبار، التي شوّهت حقيقة شخصيّة تلك المرأة العربيّة، حتّى بات التّنقيب عن الصّورة الأصليّة التي تظهر فيها صفاتها الخلقيّة، هو أشبه بالبحث عن الجوهرة الثّمينة الدّرّيّة وسط ركام من حطام المعادن الرّخيصة، وكُسارها الخسيس، إلّا أنّ هذه الصّورة المشرقة التي أظهرت حقيقة المرأة العربيّة، لم تغب عن أذهان المؤرّخين والباحثين، وكان يلاحظ قلّة عدد الكتب الصّادرة التي تواكب المسيرة المميّزة، التي حقّقتها المرأة العربيّة في مراحل التّاريخ المتعاقبة، وكانت المستشرقة الألمانيّة زيغريد هونكه، قد اهتمّت بالبحث في موضوع خصائص النّساء العربيّات، بعد أن رأت رفعة الخصال التي تتّصف بها المرأة العربيّة، وهي تناولت هذا الموضوع في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب، والذي تحدّثت فيه عن مقدار تأثير الحضارة العربيّة الكبير في الدّول الأوروبيّة، وقد ذكرت أنّها صمّمت على كتابة هذا الكتاب لأنّها أرادت "أن تكرّم العبقريّة العربيّة"، وأن تقدّم للعرب "الشّكر على فضلهم"، وهي أملت مخلصة أن يحتلّ كتابها مكانه في الوطن العربيّ "كسجلّ لماضي العرب العظيم وأثرهم المثمر على أوروبة والعالم قاطبة"، وقد تناولت تلك المستشرقة في هذا الكتاب تاريخ العرب، وتحدّثت فيه أيضاً عن العلماء العرب واختراعاتهم الكثيرة التي أنجزوها.

استهلّت المستشرقة زيغريد هونكه، حديثها عن النّساء العربيّات بأن بيّنت أنّ أساس الخصائص الشّخصيّة التي اتّصفت بها نساء الطّبقة الرّاقية في أوروبا، هو متأصّل عند النّساء العربيّات، وقد أطلقت تلك المستشرقة على فصلها الذي كرّسته للحديث عن المرأة العربيّة العنوان التّالي: "أصل سيّدات الطّبقة الرّاقية"، وقد تناولت في مطلعه، موضوع خصائص المعاملة الرّاقية التي دأب أفراد المجتمع العربيّ، أن يتبعوها في تقدير مكانة المرأة، فبيّنت تلك المستشرقة "إنّ الحلي التي يقدّمها الأوروبيّ لحبيبته أو لزوجة صديقه أو رئيسه، سواء أكانت ماساً أصليّاً أو زجاجاً مصقولاً، هي عادة استوردت من الشّرق، ويمارسها النّاس كلّ يوم ولا يعرفون لها مصدراً. وتمرّ السّنون، والحلى ما زالت تتنوّع وتتغيّر ولكنّها لم تفقد قوّتها السّحريّة في جذب قلوب النّساء، حتّى ولو كنّا نعيش في القرن العشرين"، وقد أوردت المستشرقة تلك الملاحظة الدّقيقة، التي دلّت على المستوى الذي بلغته المعاملة الراّقية التي كانت تتلقّاها النّساء العربيّات، ثمّ خاطبت المستشرقة الرّجال في بلدها، فقالت: "ولو كتبت أنت للسّيّدة الفاضلة خطاباً وأنهيته: "بالمخلص فلان" أو "بخادمك المطيع" فأنت تعترف بسيادة العرب، لأنّك أخذت عنهم هذه الكلمات ولم يكن أجدادك في الغرب يعرفون شيئاً منها. وأنت كلّما انحنيت على سيّدة لتقبّلها، لا تنسَ، في تلك اللّحظة، أنّك تمارس عادة عربيّة. وفي كلّ مكان تركع فيه أمام محبوبتك لتعبّر عن فيض مشاعرك تذكّر أنّك تقتفي، دون أن تدري، أثر عشّاق العرب"، ولا ريب في أنّ تأثّر الشّعوب الأوروبيّة بالثّقافة العربيّة، ظهر في مناح عديدة من سلوكهم، وفي أحوال المعيشة الرّاقية، وقد كان تأثير العرب واسعاً، فلم يقتصر على العادات الاجتماعيّة، بل امتدّ إلى مواضيع فنون الكتابة الأدبيّة، وقد كانت تلك المستشرقة بيّنت في كتابها تلك النّواحي الكثيرة التي امتدّ إليها تأثير الحضارة العربيّة في أفراد شعوب العالم.

دأب أولئك الرّجال الأوروبيّون في أن يحتذوا حذو الرّجال العرب، الذين صدرت منهم تلك التّصرّفات التي بادروا فيها إلى تقدير المكانة العالية التي حلّت بها المرأة العربيّة، حتّى أصبحت تلك التّصرّفات هي عادات راسخة في نفوس النّاس في أوروبا، وقد قالت المستشرقة زيغريد هونكه: "ويتكرّر هذا كلّ يوم، وتصبح هذه اللّغة وتلك الحركات وذلك الخضوع للمرأة طبيعة ثانية فينا كغربيّين نكفّر به عمّا تعوّدنا من خضوع المرأة للرّجل لتكفّر عمّا ارتكبته حواء من إثم"، وقد أصابت المستشرقة شاكلة الصّواب، في حديثها، حيث ذكرت أنّ "تزلّف الرّجل للمرأة وخطبه لودّها وتقديسها، سواء أكان هذا من باب الأدب في المجتمعات، أو كان عن حبّ صادق، فإنّه لا يتّفق مع أصول الحبّ في المجتمع الجرمانيّ، الذي كان يرنو إلى مساواة تامّة بين الرّجل والمرأة مع اعتداد كلّ منهما بنفسه وشخصيّته المستقلّة، ومساواة في الحقوق والواجبات"، وهذه الملاحظة التي ذكرتها في حديثها عن مجتمعها الجرمانيّ، قد عمّمتها حتّى شملت كلّ الدّول الأوروبيّة المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، وهي الدّول التي كانت أبرز البلدان الأوروبيّة في ذلك الأوان القديم، حيث قالت "وقد تعارض هذا الاتّجاه العربيّ، في تقديس المرأة أيضاً، مع ما كان سائداً في دول البحر الأبيض التي كانت لا ترضى بتزلّف الجنس لآخر، وتطلب من الجنسين على السّواء بذل الجهد لحوز رضاء الجنس الآخر"، فكان الرّجل العربيّ يقدّر رفعة مكانة تلك المرأة العربيّة، إذ ذكرت تلك المستشرقة: "وعلى الرّغم من كلّ هذا، فقد قاوم العرب كلّ التّيّارات المعادية واستطاعوا القضاء على هذا العداء للمرأة والطّبيعة، وجعلوا منهجهم مثالاً احتذاه الغرب ولا يملك الآن منه فكاكاً. وأصبح الاستمتاع بالجمال والغزل جزءاً من حياة الأوروبيّين شاؤوا أم أبوا"، فامتدّ تأثير تلك العلاقات الاجتماعيّة عند العرب، حتّى وصلت إلى صياغة شخصيّة وعقلية الإنسان الأوروبيّ ذاته.

أدركت المستشرقة زيغريد هونكه، بعد أن أفصحت عن آرائها في تلك المكانة الرّفيعة التي حلّت بها المرأة العربيّة، أنّها ستواجه أفكاراً مغلوطة ومعتقدات مشوّهة، رسخت في أذهان العديد من النّاس، وقد وعت تلك المستشرقة مقدار وجهات النّظر التي تختلف عن آرائها التي أفصحت عنها، وقد تحدّثت عن ذلك الخلاف الذي أدركته، فقالت: "ولكنّ، أليس في هذا نوعاً من المبالغة؟ وهل يعقل هذا الكلام؟ ثمّ ألم تعش نساء العرب منذ زمن بعيد مقيّدات مظلومات لا يتمتّعن بحقوقهنّ؟ ألم نسمع بنساء بالحريم كالسّجن يملك فيه عدداً كبيراً منهنّ ويقيم عليهنّ الحرّاس؟ ألم نسمع بنساء يزوّجن دون أن يستشرن؟ وتكفي بضع كلمات يتفوّه بها الرّجل وقتما شاء، لتصبح المرأة طالقاً تعود إلى عائلتها دون أيّ ذنب، والدّين لا يمنع هذا؟. ألم نسمع بالمرأة تحمل الأمتعة وقد تقوّس ظهرها في طريقها إلى السّوق وزوجها الهمّام يركب حماره منتفخ الأوداج بجوارها لا يعيرها أيّ التفات؟ ألم يبدأ حديثاً فقط، ترك النّساء للحريم وخلعهنّ الحجاب ومطالبتهنّ بالتّخلّص من ذلّ دام قروناً؟"، وبعد أن أوردت ذلك المقدار من الأفكار التي تغاير تلك المعاني التي كانت رمت إلى تأكيدها، ختمت تلك المعتقدات التي ذكرتها، بطرح سؤال جاء في سياق تسلسل تلك الأفكار المختلفة التي أوردتها، إذ تابعت كلامها قائلة: "أين هي الحقيقة في كلّ هذا؟ وما هو مركز المرأة في المجتمع؟"، وهي ألقت هذا السّؤال، كي تساير حالة الحيرة التي نشأت عند من لا يعلم الحقيقة، ولكنّها كانت تدرك بكلّ تأكيد كنه تلك المسائل التي تحدّثت عنها، لأنّها تابعت كلامها قائلة: "بقي النّاس في البلاط الأمويّ يتمتّعون بسماع قصص الجاهليّة ودور المرأة العربيّة في المجتمع، وما أحاط بها من بطولات، وسار الرّكب وشاهد النّاس سيّدات يدرسن القانون والشّرع ويلقين المحاضرات في المساجد ويفسّرن أحكام الدّين. فكانت السّيّدة تنهي دراستها على يد كبار العلماء ثمّ تنال منهم تصريحاً لتدرّس هي بنفسها ما تعلّمته، فتصبح الأستاذة الشّيخة. كما لمعت بينهنّ أديبات وشاعرات، والنّاس لا ترى في ذلك غضاضة أو خروجاً على التّقاليد"، والشّواهد على صحّة كلام المستشرقة هي كثيرة جدّاً، حيث نبغ الكثير من النّساء العربيّات في أوجه الأنشطة العديدة، وفي ميادين الفكر المتنوّعة.

أكدّت النّساء العربيّات في الزّمن القديم، سعيهنّ في ممارسة الأعمال العديدة، التي أكدّن فيها ثبات عزيمتهنّ على تحقيق رغائبهنّ، حيث رأت المستشرقة "أنّ النّساء في صدر الإسلام لم يكنّ مظلومات أو مقيّدات"، وبعد أن بيّنت حقيقة الأوضاع التي كانت عليها تلك النّساء، ختمت عبارتها السّابقة بالاستدراك التي صاغته في صيغة التّساؤل التّالي: "ولكنّ هل دام هذا طويلاً؟"، وهنا وصلت إلى تبيان حقيقة التّغيير الذي طرأ على أحوال النّساء العربيّات، إذ قالت تلك المستشرقة: "لقد هبّت على قصور العبّاسيّين رياح جديدة قدمت من الشّمال فغيّرت الأوضاع، وقدم الحريم والحجاب مع الجاريات الفارسيّات واليونانيّات اللّاتي كنّ محظيات للخلفاء وأمّهات لأولادهم. وكان أن حرمت المرأة العربيّة من مكانتها الرّفيعة في المجتمع وقيّدت حرّيّاتها، والإسلام بريء من كلّ ما حدث، والرّسول لم يأمر قط بحجب النّساء عن المجتمع"، ثمّ بيّنت المستشرقة الأثر الذي خلّفته العادات الغريبة عن المجتمع العربيّ فقالت: "وشرعت القصور تعزل النّساء في الحريم"، وهي ذكرت أيضاً أنّه قد "بدأ استيراد الخصيان لخدمتهنّ، كما كانت عليه الحال في بيزنطة قديماً. وأصبح حجب النّساء عن المجتمع وعدم مغادرتهنّ لبيوتهنّ مظهراً من مظاهر الأبّهة والثّراء. وهكذا كتب على النّساء أن يبقين سجينات منازلهنّ باسم الدّين"، وتلك العادات الطّارئة على المجتمع العربيّ استشرت في نطاق محدود، ولكنّه كان حيّزاً بحسب اعتقادي بارزاً في التّاريخ، لأنّ المؤرّخين كانوا يقصرون عنايتهم عليه، من دون أن يهتمّوا بسائر الأخبار التي لا تمّت بصلة إلى ذلك النّطاق الضّيّق، وقد والت المستشرقة كلامها قائلة: "ولكنّ هذه الأمراض الاجتماعيّة لم تنتشر إلّا بين الطّبقات العليا الملوّثة التي جذبت إليها الأنظار بفجورها، واهتمّ بها الأوروبيّون يلوكون اليوم سيرتها ويحسبون أنّها هي المجتمع العربيّ. وكلّما تعمّقنا في طبقات الشّعب العربيّ وضحت الصّورة الأصليّة"، وقد رأت تلك المستشرقة "أن البدويّة لم تعرف الحجاب قط، ولم تطأ قدمها أرض الحريم، ولم تكن ظروف المعيشة في البداوة، حتّى بين العامّة في الحضر، لتسمح بمثل ذلك"، وتراكمت تلك الأقاويل التي ذكرت للنّيل من شخصيّة المرأة العربيّة، وطبيعة المجتمعات التي تعيش فيها، وكانت ذُكِرَتَ تلك الأحاديث المغرضة، بغية تشويه المظهر الحقيقيّ التي كانت تبدو فيه النّساء العربيّات، اللواتي كنّ بمنأى عن تأثير العادات الغريبة التي طرأت على المجتمع العربيّ.

ظلّت المرأة العربيّة على توالي العصور في الأزمنة القديمة، تتميّز بالخصائص الرّفيعة، وتشغل المكانة السّامية في المجتمع و"هكذا بقيت المرأة العربيّة كما كانت في الجاهليّة وصدر الإسلام معتدّة بنفسها وكرامتها طالما هي بعيدة عن تيّارات المدينة. وبقيت البدويّة في القرون الإسلاميّة الأولى أكثر حرّيّة وكرامة من سيّدات الطّبقة الرّاقية في قصور دمشق. ولا عجب أن تكره البدويّة حياة المدينة وتحنّ إلى حياة البادية"، وذهبت المستشرقة زيغريد هونكه إلى أن تورد مثالاً تؤكّد به رأيها، فآثرت أن تورد حادثة جرت بين الخليفة الأمويّ معاوية بن أبي سفيان، وزوجته ميسون بن بحدل، حيث تذكر المستشرقة أنّه "قد سمع معاوية ذات يوم صوتاً حزيناً ينبعث من مخدع زوجته ميسون يردّد الأبيات الآتية: "ولبسُ عباءةٍ وتقرُّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوفِ"، "وأكلُ كسّيرة في حجر بيتي... أحبُ إليّ من أكل الرّغيفِ"، "وخرق من بني عمّي ضعيف... أحبّ إليّ من علجٍ عنيفِ"، "وبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ... أحبُّ إليّ من قصرٍ منيفِ"، فما كان من معاوية إلّا أن أخلى سبيلها. وأعطت ابنة الصّحراء للبريق والحرير ظهرها غير نادمة، وأسرعت لموطنها حيث للمرأة مكانتها واحترامها. مكانة عالية، واحترام زائد لم تعرفه المرأة الشرقيّة فيما بعد والذي لم يكن له نظير إلّا في الأندلس العربيّة. بل لقد فاقت مكانة المرأة في الأندلس كلّ هذا"، واكتفت المستشرقة بذكر تلك الأبيات الأربع من شعر ميسون بنت بحدل، وقد ذكر في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدّميريّ أنّه "لمّا دخل معاوية، عرّفته الوصيفة بما قالت، وقبل إنّه سمعها وهي تنشد ذلك، فقال:.... هي طالق، مُروها فلتأخذ جميع ما في القصر فهو لها ثمّ سيّرها إلى أهلها بنجد، وكانت حاملاً بيزيد فولدته بالبادية وأرضعته سنتين، ثمّ أخذه معاوية منها بعد ذلك"، وميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبيّة، هي زوجة الخليفة الأمويّ الأوّل ومؤسّس الخلافة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان، ووالدة الخليفة الأمويّ الثّاني يزيد بن معاوية، و"كان لها دور كبير في الحياة السّياسيّة في الخلافة الأمويّة"، وهي "ذات جمال باهر وحسن عامر" وهي كانت تتزيّا بأبهى الثّياب الزّاهيّة.

اتّخذت المستشرقة زيعريد هونكه، تلك الحادثة التي ذكرتها في كتابها، مثالاً يوضّح الخصائص الشّخصيّة التي تتحلّى بها المرأة العربيّة، ولم يكن هذا الشّاهد البارز استثنائيّاً في حدوثه، بل أنه جاء بعد تاريخ طويل كثرت فيه الأدلّة على أنفة وعزّة المرأة العربيّة، ونحن إذ نضيف شاهداً آخر حاليّاً، فلأنّه ينشئ صورة عامّة تبيّن شؤون المرأة العربيّة منذ زمن يسبق أوان تلك الحادثة التي روتها كتب التّاريخ، فقد أورد الطّبريّ في تاريخه، وأبو الفرج الأصفهانيّ في كتاب الأغاني، أنّه كانت لملوك الأعاجم صفة من النّساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصّفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنّهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب بشيء من ذلك، ولا يريدونه، فبدأ الملك في طلب النّساء فكتب بتلك الصّفة، وأمر فكتب بها إلى النّواحي، وكان أساس نشوء تلك الصّفة، أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغسّانيّ بن أبي شمر، فكتب إلى أنوشروان يصفها له، وقال: إنّي قد وجهت إلى الملك جارية وتابع ذكر وصف تلك الجارية، فقبلها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصّفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز، الذي دخل عليه زيد بن عديّ، وقد ذكر أنّه كان يكثر الدّخول عليه، وهو في ذلك القول، فخاطبه فيما دخل إليه فيه، ثمّ قال زيد: إنّي رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصّفة، وقد كنت بآل المنذر عالماً، وعند عبدك النّعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، فقال له كسرى: "فتكتب فيهنّ"، فأجابه زيد بن عديّ قائلاً: أيّها الملك، إنّ شرّ شيء في العرب وفي النّعمان خاصّه أنّهم يتكرّمون _ زعموا في أنفسهم_ عن العجم، فأنا أكره أن يغيبّهن، عمّن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهنّ، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيّبهن، فابعثني وابعث معي رجلاً من حرسك يفقه العربيّة، حتّى أبلغ ما تحبّه.

أجاب كسرى طلب زيد بن عدي بإرسال رجل يرافقه في ذهابه إلى عند النّعمان، إذ قرّر أن يبعث (كسرى) معه رجلاً جليداً، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرّجل ويلطفه حتّى بلغ الحيرة. فلمّا دخل عليه (النّعمان) أعظم الملك، وقال: إنّه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك فقال (النّعمان): وما هؤلاء النّسوة؟ فقال (زيد بن عدي): هذه صفتهنّ قد جئنا بها فقرأ عليه زيد هذه الصّفة، فشقّ عليه، فقال لزيد _ والرّسول يسمع: أما في عين السّواد ما تبلغون حاجتكم! فقال الرّسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر، فقال زيد للنّعمان: إنّما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين، ثمّ كتب إلى كسرى: إنّ الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلمّا رجع إلى كسرى، قال زيد للرّسول الذى جاء معه: اصدق الملك الذي سمعت منه، فإنّي سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلمّا دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: فأين الذي كنت خبّرتني به؟ قال (زيد): قد كنت أخبرتك بضنّهم بنسائهم على غيرهم، وأنّ ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشّبع والرّياش، واختيارهم السّموم والرّياح على طيب أرضك هذه، حتّى إنّهم ليسمّونها السّجن، فسل هذا الرّسول الذي كان معي عن الذي قال، فإنّي أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به، فقال للرّسول: وما قال؟ قال: أيّها الملك، ما يكفيه حتّى يطلب ما عندنا! فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع"، وتبيّن هذه الحادثة المدى الذي تصل إليه اعتزاز المرأة العربيّة، حتّى أصبح سمعتها منتشرة تعطّر شخصيّتها بمعانيها الرّفيعة، وباتت كتب التّاريخ تذكرها، ودواوين الملوك تثبتها، وذاكرة النّاس تعيها، وألسنة القوم تتناقلها.

تضمّن وقائع التاريخ العربيّ الأخبار العديدة التي تبيّن الصّفات الشّخصيّة الرّفيعة التي كانت تتميّز بها المرأة العربيّة، وقد رأينا تنوّع مجريات تلك الأحداث التي تروى عن خصائص شخصيّات النّساء العربيّات، فعلاوة على أخبار الأحداث التّاريخيّة، والقصائد الشّعريّة، والمراسلات الجارية في ذلك الزّمن القديم، فإنّه كانت لسير النّساء العربيّات، حصّة بارزة في ميدان الأمثال التي حفلت بها كتب التّاريخ والتّراث العربيّين، إذ كانت الأجيال المتعاقبة في المجتمعات العربيّة، تتناقل فيما بينها، عبارة كانت أصبحت منذ زمن موغل في القدم مثلاً يجري على ألسنة النّاس، وهذا المثل يدلّ على كرامة وشموخ وأنفة المرأة العربيّة في كلّ الأوقات، حيث أصبحت تلك الصّفات التي تميّزت بها النّساء العربيّات ثابتة وراسخة في نفوسهنّ، والمثل هو "تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها"،وهذه العبارة قد أصبحت مثلاً، لأنّها كانت مرآة أظهرت طبيعة الأفكار، التي صوّرت بعض وقائع الحياة التي يعيشها الأفراد العرب في الزّمن القديم، وتنتقل الأمثال فيما بين النّاس، لأنّها تعبّر عن معتقداتهم وأفكارهم، وطبيعة العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة فيما بينهم، وأحوال الحياة التي كانوا يعيشونها، والأمثال هي حصيلة التّجارب التي يمرّ بها النّاس، والأنشطة التي يمارسها الأفراد، وهي تظهر حقيقة آراءهم في العديد من المواقف الاجتماعيّة التي يتّخذونها، وتكشف عن طبيعة المآرب التي يرمي الأشخاص إلى أن يحقّقوها، وكثيراً ما كانت الأمثال تسهم في صياغة معتقدات وأفكار النّاس في مدى زمنيّ ممتدّ، من دون أن تقف فاعليّة تأثيرها عند ذلك الحين الذي ظهرت فيه عبارات تلك الأمثال، التي كانت توضّح أيضاً العديد من القضايا التي يتصدّى النّاس لمعالجتها، وتفسّر المسائل التي توائم المضامين التي انطوت عليها، تلك المغازي التي اشتملت عليها تلك الأمثال.

كان يضرب هذا المثل، وهو تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها، لإظهار أنفة المرأة العربيّة واعتزازها بنفسها، إذ كانت تحجم عن أن تقايض كرامتها وعزّتها بكلّ المنافع البالغة والثّروات الكبيرة التي تقدّم إليها، فكانت النّساء العربيّات يعزفن عن قبول مظاهر الجاه التي تعرض عليهنّ، وعبارة هذا المثل، تضمّنت خلاصة تجربة إنسانيّة، وحادثة اجتماعيّة بارزة، والمعاني التي حوتها عبارة هذا المثل، تنطبق على كلّ أفراد المجتمع، سواء أكانوا رجالاً أم نسوة، وقد كانت المغازي التي تضمّنتها ماجريات الواقعة التي أفضت إلى إطلاق هذا المثل، تطابق المعاني التي اشتملت عليها الحادثتان، التي أوردتهما قبل الكلام عن عبارة المثل تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها، ولم تكن الأجيال المتعاقبة في المجتمعات العربيّة، تتناقل فيما بينها ذلك المثل، لو لم يدلّ على خصائص ثابتة، تتّسم بها شخصيّات النّساء العربيّات.

ملاحظة (1): سنذكر لاحقاً المراجع المتعلّقة بهذه المقالة.

ملاحظة (2): اكتفت المستشرقة زيغريد هونكه بأن تذكر هذا المقدار من أبيات الشّعر، وأمّا الأبيات كلّها، التي أنشدتها ميسون بنت بحدل، فقد كانت تزيد على هذا المقدار الذي أوردته في الكتاب تلك المستشرقة، وقد كانت زوجة الخليفة الأمويّ معاوية بن أبي سفيان، قد أنشدت أبيات الشّعر التّالية، بحسب ما هو مذكور في العديد من المؤلّفات وكتب التّاريخ:

"لبيت تخفق الأرواح فيه... أحبّ إليّ من قصر منيف"

"ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف"

"وأكل كسيرة في كسر بيتي... أحبّ إليّ من أكل الرّغيف"

"وأصوات الرّياح بكلّ فجّ... أحبّ إليّ من نقر الدّفوف"

"وكلب ينبح الطّراق دوني... أحبّ إليّ من قطّ أليف"

"وبكر يتبع الأظعان صعب... أحبّ إليّ من بعل زفوف"

"وخرق من بني عمّي نحيف... أحبّ إليّ من علج علوف"

"خشونة عيشتي في البدو أشهى... إلى نفسي من العيش الطّريف"

"فما أبغى سوى وطني بديلاً... وما أبهاه من وطن شريف"

التعليقات


إضافة تعليق