مقتطفات من رواية أناشيد الألم (69)

سنة النّشر 1987

أدهشتني عباراته التي أفصح فيها عن سداد منطقه وحصافة رأيه، الذي دلّ على اختباره العميق لأحوال الحياة، وسبره الدّقيق لشؤون النّاس المتنوّعة، فوقفت على أصالة تلك المعاني التي تضمّنها حديثه، ورأيت صواب مرامي كلامه القصيّة، وقد كان دأبي أن أذمّ شأن أولئك الأشخاص الذين تقتصر خبراتهم على العبر، التي تفيض بها الوقائع الجارية، وتخلو معارفهم على تلك العظات التي يستخلصونها من مشاهد الحياة، على الرّغم من اتّساعها، فلا يخوضون في الشّؤون المستترة التي تنطوي عليها تلك الأحداث التي تحصل في حياتهم، ولا ينبشون عن أسرارها الخافية، ولا يستنبطون منها خواطر وأفكاراً جديدة، قد تناقض بعضاً من تلك الآراء، التي كانوا أقرّوها في مستهلّ مشاهدتهم تلك الأشياء التي كانت تسترعي انتباههم، وقد تعارض فحاوى تلك النّتائج التي توصّلوا إليها، في بدء اطّلاعهم على الأحداث التي كانوا يعاينونها، فيعزفون عن الدّرس المحكم والبحث العميق، ولا يرون الأشياء بأحوالها وأوجهها المختلفة، إلّا أنّي استأنست بتلك الأفكار التي أعرب عنها جاري صالح، وقد نشبت أشراك حديثه فيّ، وهو يحضّني على المناقشة، ولم يكن يعلم مقدار ذلك الأثر الذي خلّفه في نفسي، وكثير من النّاس يثيرون فيّ الحسّ والفكر عرضاً من غير عمد أو قصد، وانفلتّ من حبائل تلك الظّنون، التي توهّمت فيها أنّ اللّبس والغموض يشوبان ذلك المظهر، الذي كانت تتراءى فيه للأشخاص الآخرين طباع نفسي، فأدركت مقدار تشابه نفوس البشر لبعضها البعض، وتماثل الأفكار العديدة التي تخطر في أذهان النّاس، فما من حديث إلّا كثيراً ما كانت أصداؤه تصل إلى أبعد مدى، وتبلغ الأشخاص العديدين، والحكمة الشّاملة تبزغ من حياة فرد واحد، لتعمّ سائر الأنام، على اختلاف مشاربهم وتنوّع أحوالهم، وشرعت أسرد حديثي علّه يدرك من خلاله خواطر فكري، فقلت له:

إن ظهرت على ملامح الوجوه، معالم الفرح ومخايل الحزن، فهي غالباً لا تشير إلى ثبات حالة النّفس، التي تتجاذبها مشاعر شتّى، وتتنازعها عواطف مختلفة، فصور تلك الأحاسيس التي تبدو في قسمات الأوجه آنئذ، لا تدلّ على حقيقة الشّعور المستقرّ، فتلك الهيئة التي تلوح فيها المعارف، ليست إلّا مشهداً تبرز فيه مرحلة محدّدة من أطوار ذلك التّجاذب، الذي ينشب في دخيلة النّفس، بين تلك الأهواء المستترة، والرّغائب الكامنة، والمآرب المتوارية، فتتناوب تلك الصّور على الظّهور فوق تلك الأسارير، وفق مسار تلك المراجحة الجارية في أعماق النّفس، حتّى تتمّ الغلبة لحالة من الشّعور على أخرى، فيتأتّى لمعالم تلك المشاعر السّائدة حينئذ، أن تثبت في ملامح الوجه، وكم مداولة امتدّ أمدها برهة طويلة، فلا نستطيع أن نقف على حقيقة أحاسيس النّفس، لما نشهده من تقلّب وتبدّل المشاعر، وقد ننخدع بهيئة تلك الأقنعة المزيّفة التي يظهر بها بعض النّاس، الذين يتّبعون طرائق المراءاة في الإفصاح عن خفايا شعورهم، وما ينبعث في النّفس من دواعي المسرّة وأسباب الحزن، لا تقتضي نشوءه آثار تلك الظّواهر التي تحيط بالإنسان، فلا تنحصر فيها علل إثارة تلك المشاعر في نفسه، ولا تختصر دونها سائر الذّرائع، فيجب ألّا نغفل عن جلاجل النّفس، التي يتردّد نغيها الخفيت في أعماقنا، فنحسب مناجاتها الهامسة مشابهة للغط تلك الضّوضاء الصّادرة من أنحاء الطّرقات وأرجاء الكون.

التعليقات


إضافة تعليق