مقتطفات من رواية أناشيد الألم (67)

سنة النّشر 1987

أطلّت علينا مشارف بيتها من بعيد، بينما كنّا نسير تجاهه، فبادرت قبيل أن أودّعها إلى معاهدتها على الالتقاء مجدّداً في الفترة المقبلة، لأنحي عنّي ما يثيره من اللّوعة هذا الفراق، بترقّبي ذاك الموعد المحدّد، ثمّ اتّجهت إلى منزلها، وقد رجعت أدراجي في الطّريق ذاته الذي سرنا فيه، أتعقّب رسم خطواتنا فوقه، حتّى وصلت إلى منزلي.

بتّ أفاضل بين آرائي ومعتقداتي التي استخلصتها من وفرة مطالعاتي للكتب التي طغت بتأثيرها في فكري، وبين آراء نادية التي استنسبتها من اختبارها لأحوال الحياة، وتبصّرها في شؤونها، فكانت تعرض عن تلك الأفكار التي تتباين حولها أحكام شعورها وذهنها، وتمتنع عن الخوض في الحديث عنها، خشية أن تمازج فكرها آراء لا تحمد فحواها، ولا يمجّد مضمونها، وكنت أميل إلى اعتناق بعض من آرائها، وإن اقتضى الأمر أن أطوي صفحات عديدة من معتقداتي، وأضمّ وأحزم رايات ممتدّة من أفكاري، إن لم تحلّ بنفسها في منزلة الرّضا وموقع الثّناء، ولم أكن بهذا التّصرّف أتملّقها، فقد ألهمتني الدّراية بالتّدبير والهداية في التّفكير، فلا أعيّر بتخلّقي بطباعها، وقد تألّق في شمائلها طيب السّريرة ونقاء الطّويّة، فشرعت أنشق أنسام ذلك الهوى الذي مهّد لي دروب الهدى، ولم تكن تجهر بآرائها صراحاً، أو تعلن عن أفكارها جهاراً، ولم تملِ عليّ ما ترتأيه من المعتقدات، وإنّما دأبت في أن أستنتج من فعالها وأستخلص من خصالها، كلّ ما يدلّ إلى تلك الآراء التي كانت تأخذ بها، فثمّنت جهدي بمقدار رفيع، واغتبطت من جرّاء ذلك المسعى الذي أبديته، فرسخ في نفسها السّرور، إلّا أنّي لم أكن لأجحد شأن أفكاري بهذه المفاضلة التي أجريتها، ولم أزدر صفوة آرائي، ولم أذمّ تلك الشّرائع التي اعتقدتها باقتناع وثيق، واعتنقتها بعد تفكّر سديد، والتزمتها بعد تدبّر مديد، فقد كانت تلك الأفكار جميعها التي وازنت بينها، تؤدّي إلى الغاية ذاتها، فالرّأي الذي يدعو إلى تلك المحامد والأخلاق الرّفيعة أعتنقه، والدّرب الذي ينفذ إلى تلك الجنات العامرة بالفضائل الطّاهرة أسلكه، فإن اعتكفت في كنف أفكار نادية وآرائها، لن تجنح أموري إلى الضّياع ولن أجازى على أفعالي بالخسران، فلا تدركني النّدامة على يوم أمضيته معها، ولا يصيبني الأسف على ثناء مدحتها به.

التعليقات


إضافة تعليق