مقتطفات من رواية أناشيد الألم (60)

سنة النّشر 1987

دأبت في أن أوطّدجهدي، وأشدّد عزمي فيما خلا من الأعوام على أن أوسّع رقعة معرفتي، وبساط فكري، كي أتّقي رياح الغرام الملتهبة، فآمن من هبوبها وأنجو من حرّها اللّافح، بيد أنّي خلت أنّ الشقّة الممتدّة من سعة تفكيري، قد تحول بيني وبين الأشخاص الآخرين، فسعيت إلى أنّ أسدّ تلك الفرجة الفاصلة، وأردم تلك الهوّة التي تحجز بيننا، بما أظهره من طويّتي، وأفصح عنه من سريرتي، وإن كنت أقبل على تلك المكاشفة متردّداً في أمري، كي لا أرغم على أن أعقد عهود الألفة، وإبرام مواثيق المودّة مع من يجهد في أن يتبصّر متأمّلاً في أفكاري، ويكدّ في الإحاطة بها علماً، تقديراً منّي لجهده، واعترافاً بصنيعه الذي أسداه إليّ، فأظنّ عندئذ أنّ ارتباطي به لن يحدث فيه الانفصام، وأنّ عشرتي معه لن يصيبها التّصدّع، إلّا أنّ في الأيّام الغابرة، لم تكن تتحقّق بيني وبين الأفراد الآخرين تلك الرّابطة، التي كنت أفتكر فيها، حتّى صادفت نادية، ففوجئت بتبوّئها تلك السّدّة الرّفيعة، التي لم يكن في وسع أحد، أن يقيم بذراها، على مرّ السّنوات الماضية، بعد أن تمّكنت من أن تدرك أفكاري، وتتفهّم مشاعري، فكأنّ الفكر والعاطفة يقيمان في الموضع ذاته في علاقتي مع نادية، حتّى حسبت أنّهما كوّنا صورة واحدة لهيأتين مختلفتي الأحوال، فلم أميّز إحداهما عن الأخرى، أو أفصل بينهما، ولم تتحقّق تلك الرّابطة النّاشئة بين هاتين الحالتين اللتين تآلفتا معاً، لو لم تكن نادية، تتّسم برهافة الحسّ ونباهة الخاطر وحدّة التّفكير.

التعليقات


إضافة تعليق