زارت بعثات أثريّة عديدة خربة الأمباشي في هذا الزّمن الحديث، وتحديداً ابتداء من أواخر سنوات العشرينيّات من القرن العشرين، لتجري تلك البعثات التّنقيبات الأثريّة في تلك المنطقة، وقد ذكرت إحدى تلك البعثات "أنّ الموقع يتكوّن من قسمين شماليّ وجنوبيّ، ويضمّ مساحة كبيرة من التّجمّعات السّكّانيّة، وتتجاوز مساحته المائة هكتار".

تابع الأثريّون في تلك البعثة حديثهم عن تلك المنطقة فذكروا "أنّ القسم الشّماليّ يتكوّن من بيوت مبنية من البازلت أو الحجر الغشيم، وهي مستطيلة الشّكل غالباً، تتألّف من غرفة أو غرفتين أو ثلاث مستطيلة، ترتفع أسقفها بواسطة دعامات من الحجر الغشيم، وباحة سماويّة تخصّص غالباً لحجر المواشي"، وذكر أحد الباحثين "أنّ البيوت مبعثرة وبعيدة عن بعضها".

انتقل الأثريّون في كلامهم عن خربة الأمباشي، إلى الحديث عن مكان آخر في هذا الموقع الأثريّ، فقالوا أنّه "يقع القسم الجنوبيّ إلى الجنوب من المدينة الشّماليّة، وتتشابه بيوتها مع بيوت القسم الشّماليّ من حيث الإنشاء، فالبناء مثلها من الحجارة الغشيمة، وكذلك أسقفها المرفوعة بواسطة الدّعامات، إلّا أنّ بيوتها مربّعة أحياناً ودائريّة أحياناً أخرى، وتتكوّن من طابق واحد مع قبو، وهذه الأبنية التي تشكّل مدينة يحيط بها سور من الحجارة".

قدّمت في العبارات السّابقة حديث الأثريّين الذين ضمّتهم البعثات الأثريّة، التي زارت خربة الأمباشي، وكان ذكر حديثٌ في عام 2011، أنّه أجريت استعدادات لتكون خربة الأمباشي أوّل منتزه جيولوجيّ في سورية.

كان الكاتب جرجي زيدان، قد ذكر في روايته فتاة غسّان، عبارات ورد فيها الحديث عن تلك المنطقة من جنوب سورية، والتي تقع فيها خربة الأمباشي، والحديث المذكور في تلك الرّواية، هو سبق صدوره بزمن طويل، حديث الأثريّين، الذي أوردته سابقاً، وجرجي زيدان (بيروت، لبنان، 1861 _ القاهرة، مصر، 1914)، أديب وروائي ومؤرّخ وصحفيّ، وهو أصدر مجلّة الهلال العريقة، التي كان يقوم بتحريرها بنفسه، في العام 1892، وكانت وردت في رواية جرجي زيدان، العبارات الآتية:

فسار إليه فإذا هو على رابية ولكنّه عجب لنوع بنائه ولم يكد يصدّق أنّه بيت لأنّه عبارة عن خمسة أحجار ضخمة أربعة منها للجدران وواحد للسّقف، والباب حجر واحد مرتكز على مصراع ورأى النّاس يفتحونه ويغلقونه بكلّ سهولة فسأل رجلاً واقفاً إلى جانبه يظهر من هيئته ولباسه أنّه من أهل دمشق فقال له: "ما هذا البناء وكيف يصنعون الأبواب من الحجارة". فأجابه: "أنّ هذا النّمط من البناء كثير في بلاد حوران لأنّ أرضهم صخريّة والأخشاب فيها قليلة فيصنعون مصاريع أبوابهم ونوافذ بيوتهم من الحجر وقد يبنون منزلاً كثير الغرف وفيه النّوافذ والأبواب والأروقة والسّقوف ولا يدخلون في بنائه شيئاً من الخشب قط".

فوقف هناك ينظر إلى ذلك البناء الغريب ولم يكد يعرف الباب لو لم يرَ النّاس يخرجون منه فصعد إلى الصّومعة حتّى وقف عند بابها فإذا هي غرفة مظلمة أشبه شيء بالمغارة لخلوّها من النّوافذ إلّا نافذة ضيّقة في بعض جوانبها فدخل فرأى أرض الغرفة حجراً واحداً أيضاً.

وفي مكان آخر من هذه الرّواية أورد الكاتب جرجي زيدان العبارات التّالية:

وفي صباح اليوم التّالي ساروا إلى الصّومعة باكراً فرؤوها مضيئة بالشّموع وهي كما تعلم عبارة عن غرفة كلّ من جدرانها الأربعة حجر واحد والسّقف حجر والأرض حجر وبابها حجر واحد يفتح ويغلق وهذا هو شأن أبنية حوران حتّى الآن نظراً لكثرة صخورها وقلّة خشبها فيبنون البيوت من الحجر ويجعلون درف نوافذها وأبوابها وسقوفها من الحجر أيضاً.

بعد أن أوردت تلك النّصوص التي قسّمتها إلى قسمين اثنين، تتضّح لنا دقّة الوصف المذكور في الحديث، الذي أورده جرجي زيدان في روايته فتاة غسّان، وأمّا مسألة ترجيح أحد تلك النّصوص على الآخر، إن جاز لنا أن نجري المقارنة بين تلك النّصوص المذكورة آنفاً، فسيكون لهذا الأمر حديث قادم في الأيّام الآتية.

خربة الأمباشي، هي خربة أثريّة في محافظة السّويداء، على مسافة 36 كيلومتراً شرق مدينة شهبا، وهي تعود إلى العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ القديم والوسيط.

خربة تعني أطلال.

حجر غشيم: حجر غير منحوت.

التعليقات


إضافة تعليق