يدأب الإنسان في أن يستجلي حقائق الظّواهر التي يشاهدها، فيستغلّ طاقة المعرفة التي يمتلكها، في سعيه إلى استكشاف معالم الأشياء التي تتبدّى له، وكان العقل هو مرتكز تلك المعرفة و"حاملها في مستوى الذّات الإنسانيّة"، ويمتلك العقل القدرة على التّجريد والتّفكير وإطلاق الأحكام، وهو أيضاً "ملكة متعالية شكّلت التّفوّق النّوعيّ للإنسان بوصفه كائناً فكريّاً Homo Sapiens وكان تاريخ تطوّر المعرفة "مشروطاً بتاريخ تطوّر العقل المرتبط شرطيّاً أيضاً بتاريخ التّطوّر التّقنيّ _ الإيديولوجيّ _ الاجتماعيّ للمجتمعات"، وقد أصبحت المعرفة "نتاج تجريديّ لدماغ الإنسان بوصفه عقلاً. كما أنّ المعرفة تعيد إنتاج العقل"، فالإنسان هو كائن عاقل "يملك قابليّة التّعقّل والتّمييز بين سلبيّات الأشياء وإيجابيّاتها... ويولد الإنسان وهو يحمل قوّة الإدراك بالفطرة والوراثة أو الغريزة، (العقل الفطريّ، والعقل الغريزيّ)". وقد كان ابن خلدون قد ذكر أنّ "العقل صفة الإنسان من هو ذو فكر"، وكان العالم العربيّ جابر بن حيّان بيّن لامحدوديّة العقل التّنويريّة بقوله: "العلم نور، وكلّ علم عقل، إذن كلّ عقل نور"، فأصبح العقل هو "القوّة على اكتساب العلم" وبتلك الصّفة أضيفت وظيفة أخرى إلى العقل وهي "تحويل الإدراك الحسّيّ إلى إدراك عقليّ مجرّد"، وكان الجبائيّ قد ذكر أنّ العقل هو العلم، وفي اللّغة "إنّما العقل سمّي عقلاً لأنّ الإنسان يمنع نفسه به عمّا لا يمنع المجنون نفسه، وأنّ ذلك مأخوذ من عقال البعير"، وقد وصف الإنسان بأنّه عقلٌ وهوى، وقد كان العقل "يمكّنه من أن يكتشف ما في الأشياء والسّلوك من صلاح أو فساد، فيوجب العمل بما هو صالح، وينهي عمّا هو فاسد"، حتّى صحّ الاعتقاد في أنّ الحسن ما حسّنه العقل، والقبيح ما قبّحه العقل.

تأكّدت أهمّيّة استرشاد الإنسان بنور العقل وهدايته، ليمضي في دربه في هذه الحياة، في مأمن من مزالق العثار، وفي منجاة من بواعث المضارّ، وقد كان الفقيه والعالم ابن القيّم ذكر "أنّ نور العقل يضيء في ليل الهوى، فتلوح جادّة الصّواب، فيتلمّح البصير في ذلك عواقب الأمور"،وقد برز عقل الإنسان في عمليّة تحقيق المعرفة، لأنّه "بوسعه تخطّي حدود ما يعطى له مباشرة في التّجربة الحسّيّة"، فيتمكّن الإنسان من أنّ يتّبع طريقة في التّفكير، تستند إلى العقل، حيث يطلق مفهوم العقلانيّة على قدرة الإنسان في نشاطه الذي يمارسه في مجرى الحياة، على أن ينجز المحاكمة الواعية، التي تجري "بعيداً قدر الإمكان، عن تسلّط المشاعر والعواطف، وعلى وزن كافّة الاعتبارات "لصالح" أو "ضدّ" الاختيار المعني، وعلى السّعي لتعليل أقواله وتصرّفاته"، وكلمة العقلانيّة في اللّغة الانكليزيّة rationalism، تحدّرت من اللّاتينيّةratio، وهي تعني عقل، وبصيرة، وتصبح العقلانيّة "تعني حرفيّاً: أسلوب في التّفكير أو التّفلسف، يقوم على العقل"، فالعقلانيّة لا تعترف بأيّة "قوّة أخرى غير قوّة العقل"، وتعتمد العقلانيّة على عدّة عوامل، يندرج في عدادها على سبيل المثال "تربية التّفكير المنطقيّ المبني على المعطيات العلميّة، والموضوعيّة البعيدة عن الاستنتاجات المبهمة والعامّة"، وتلك العقلانيّة تهيّئ الإنسان لأن يتجنّب "الفوضى التي تؤدّي إلى إهدار الطّاقات، وضياع الوقت وإلى التّسيّب"، وهي تمكّنه من "تفادي الأخطاء قبل وقوعها"، فيصبح العقل "ملكة الاستدلال الصّحيح والاستنتاج، وعرض المرء أفكاره بطريقة منطقيّة"، حيث اعتبر العقل أيضاً، مصدر كلّ الأفكار، فتحدّد مفهوما المعرفة والأخلاق "على ما يقرّه العقل"، وأمّا الفكر فإنّه يقصد به "القدرة على كشف أسباب وجواهر الظّواهر، وبحثها بطريقة شاملة"، وقد أدّى تحلّي الإنسان بالتّفكير العقلانيّ، إلى زيادة قدرته على أن ينجز مهامّه بإتقان.

إنّ القدرة العقليّة التي يمتلكها الإنسان، هي "أحد الأمور الهامّة والمؤثّرة بل الأساسيّة في عمليّة التّفكير البشريّ" وقد عرّفت تلك القدرة العقليّة بأنّها "مجموعة من الأساليب الخاصّة بالأداء المعرفيّ"، حيث اعتبرت تلك الأساليب "مجموعة من الملكات الخاصّة بالشّخص، والمنفصلة عن بعضها البعض"، فأصبحت في نظر عدد من المفكّرين، القدرة العقليّة هي "تلك القدرة العقليّة الفكريّة أو الشّعوريّة أو الإراديّة، حيث أنّ كلّها تعتمد على تفسير تلك المظاهر العقليّة المختلفة والتي تعبّر عن الأداء العقليّ"، فأصبحت القدرة العقليّة "جوانب النّشاط العقليّ كملكة التّذكّر وملكة الانتباه وملكة التّخيّل، وملكة الابتكار"، فتمكّن تلك القدرات العقليّة الإنسان من أن يمتلك ناصية الفهم، في تأمّله في تلك المعالم التي يسبر أغوارها، ساعياً إلى الإحاطة بحقيقتها.

إنّ تأكيد بروز عمليّة التّفكير، التي تمهّد السّبيل إلى استجلاء معالم الظّواهر التي تتبدّى في مجرى حياة النّاس، قد أوقع على الإنسان مسؤوليّة تنشيط عقله،وتنمية قدراته العقليّة، حيث قد تأتّى له "العمل على تنمية ومضاعفة وتطوير القدرات العقليّة الخاصّة به"، وتعرّف القدرة العقليّة بأنّها "قدرة الفرد على اتّخاذ القرارات الخاصّة به، واكتساب المهارات المعرفيّة، واستقبال المعلومات وحتّى الحساب، بالإضافة إلى القدرة على إنجاز عدّة أمور"، وقد أكّدت نتائج الأبحاث التي عولجت فيها شؤون تلك القدرات العقليّة، أنّ القاعدة الرّئيسيّة في تنمية تلك القدرات تتحدّد في التّعليم "بمفهومه تلك العمليّة الخاصّة باكتساب المهارات والمعارف، والقيام بناء على ذلك بتطوير السّلوك، وذلك بعد اكتساب الخبرات والمهارات اللّازمة للتّطوير، حيث أنّه من المفروض ألّا يتمّ التّعليم إلّا عن طريق عامل التّحفيز والإدراك"، وقد أكّدت بعض التّجارب الطّبّيّة الحديثة أنّه "من أفضل الأساليب والطّرق التي يمكن اتّباعها لتنمية القدرات العقليّة وتطويرها هي القيام بالتّمارين العقليّة، لأنّها تعمل على تحفيز الخلايا الخاصّة بالمخّ، وتعمل أيضاً على تفعيل قدرات الذّكاء حتّى وإن كانت عن طريق بعض التّمارين البسيطة مثل الألعاب المنطقيّة، أو الدّخول في عمليّات النّقاش الفكريّة مع الأصدقاء، أو حتّى لعب الألعاب التي تحتاج إلى ذكاء وتفكير مثل لعبة الشّطرنج"، والإنسان الذي ينعم بتلك الملكات الذّهنيّة، يتوجّب عليه أن ينمّي ويصقل تلك القدرات التي يحوزها.

أضيف إلى وسائل تنمية القدرات العقليّة المذكورة آنفاً، "اكتشاف موهبة جديدة لدى الفرد ممّا سيساهم في تنمية ذكاءه وقدراته العقليّة من جديد"، وقد نوّهت أيضاً بأهمّيّة عمليّة التّساؤل الدّائمة، حيث "إنّ تلك الطّريقة هي من إحدى الوسائل شديدة النّجاح والفاعليّة في تنمية القدرات العقليّة، حيث يجب على الشّخص أن يكون دائم السّؤال عن كلّ شيء من حوله يجهله أو أنّه ملتبساً عليه، أو كونه أمراً غامضاً، حيث سيساعد ذلك على تحسين وظائف المخّ وجعله أكثر حيويّة"، وأضيفت إلى تلك الوسائل أيضاً "القراءة، وخاصّة قبل النّوم، لأنّ القراءة تساعد على تحفيز التّحليل الإبداعيّ، وتطوير المفردات اللّغويّة، وتطوير أنماط التّفكير، كما ينصح البحث عن المفاهيم الجديدة، من أجل زيادة معجم المفردات، والمشاركة في النّقاشات والنّدوات، فعند محاولة العقل إثبات وجهة نظر معيّنة، سيساعده ذلك على النّمو والانفتاح"، ويستدلّ على امتلاك الفرد القدرة العقليّة، باستطاعته "فهم المعلومات الخاصّة بقرار ما، والاحتفاظ بالمعلومات لموعد اتّخاذ قرار ما، والتّفكير مليّاً بالمعلومات"، ولا غنى للإنسان أيضاً عن ممارسة الرّياضة، كي يحقّق تنمية قدراته العقليّة، لأنّ الرّياضة "تساعد على تحفيز الدّماغ وزيادة التّحمّل العقليّ، بسبب انتقال الأكسجين والموادّ المغذّية له"، فتتحقّق عندئذ في مزاولة الألعاب الرّياضيّة، سداد مقولة العقل السّليم في الجسم السّليم.

احتوت الوسائل التي تسهم في تنمية القدرات العقليّة عند الإنسان، وسيلة اعتبرت أيضاً أداة ترويح للنّاس، وهي تحديداً لعبة الشّطرنج، التي هي إحدى الألعاب التي "تتطلّب من يمارسها اتبّاع طرائق التّفكير والتّحليل العقليّ"، ولعبة الشّطرنج هي لعبة ذهنيّة تحلّ في مرتبة رفيعة جدّاً بين سائر الألعاب والأنشطة الذّهنيّة، وتتحقّق ممارسة هذه اللّعبة، بتطبيق قواعد ثابتة، وهي تعتبر تسلية ذهنيّة، فضلاً عن أنّها لعبة عريقة في قدمها، وتطغى شهرتها على شهرة سائر الألعاب الذّهنيّة، وفي ممارستها تتّضح كثير من القدرات العقليّة العالية، التي تصقل وتنمّى، حتّى أنّ بعض تلك القدرات يكتسبها الإنسان من جرّاء مزاولته تلك اللّعبة، لتغدو متأصّلة في ذهنه وراسخة في نفسه، فالشّطرنج يجلب إلى الإنسان بحقّ، أجلّ وأرفع المتع التي يتمّكن من أن يحصل عليها، وتلك الفكرة تخالف الفكرة الشّائعة عند النّاس، في الميل إلى تجنّب إعمال الذّهن وتنشيط العقل في مزاولة أعمال شتّى، وعندما يقال أن الشّطرنج لعبة ذهنيّة، لأنّ كلّ العوامل الأخرى تسقط في حسابات هذه اللّعبة مثل الصّدف، التي تبتعد عن قوانين العقل المترابطة.

اشترط على لاعب الشّطرنج كي يتقن ممارسة هذه اللّعبة، أن يدأب في ممارسة لعبة الشّطرنج، التي لا يختلف شأنها عن أحوال سائر الألعاب الرّياضيّة، التي يتوجّب المواظبة على ممارستها، كي يحافظ الرّياضيّون على لياقتهم الجسديّة واستعدادهم العالي لمزاولة تلك الألعاب الرّياضيّة المتنوّعة، وقد ذهب أحد أبطال هذه اللّعبة إلى أن يذكر "أنّ الشّطرنج مثل رياضة بناء الجسام، إذا تدرّبت كلّ يوم سوف تبقى بشكل مثاليّ، والأمر نفسه بالنّسبة للدّماغ، فالشّطرنج هو مسألة تدريب يوميّ"، حيث يصبح التّدريب المتواصل واليوميّ هو شرط جوهريّ في ممارسة تلك اللّعبة الذّهنيّة، فإنّ توقّف لاعب الشّطرنج وتقاعس عن مواصلة اللّعب، فإنّه ستتقهقر استعداداته لمزاولة هذه اللّعبة بطريقة متقنة، ويحصل لاعب الشّطرنج في أدائه هذه اللّعبة، على المتعة الكاملة الوافية، إذ اعتبرت لعبة الشّطرنج هي ممتعة في حدّ ذاتها، من دون أن تحتاج إلى أيّ دافع أو "محفّز مادّيّ لمزاولتها"، وقد كان يستخلص من تاريخ مباريات هذه اللّعبة، أنّ الشّطرنج "لم يتمّ لعبه أبداً من أجل المال"، ولعبة الشّطرنج "تلعب بالذّهن قبل الأصابع"، فالشّطرنج يجمع بين العلم والرّياضة والفنّ، وكانت دقّة التّشبيه بالغة، في وصف الشّطرنج بأنّه الحياة، لأنّه يتضمّن كلّ الأنشطة التي تظهر في مجرى الحياة، مثل الصّراع والمنافسة، بالإضافة إلى الأحداث المختلفة، وإن كانت تلك اللّعبة الذّهنيّة هي ميدان خاصّ للعقل، فإنّ لعبة الشّطرنج هي أيضاً مرآة للعقل والنّفس معاً، وقد أثبتت التّجارب العمليّة أنّ الشّطرنج يحسّن المهارة الفكريّة ويطوّرها، حيث اعتبرت تلك الخاصّيّة الفرديّة، في عداد الصّفات المكتسبة، ولا تمتّ بصلة بأحوال المواهب الرّاسخة في النّفس، فتعتبر لعبة الشّطرنج نشاطاً رياضيّاً، يتحقّق فيه تمرين العقل وتنشيط الذّهن، حتّى أنّ كلّ "التّصوّرات في الشّطرنج لها قواعد هندسيّة، مثل الهندسة الفراغيّة"، فلعبة الشّطرنج تشحذ فهم اللّاعب الذي يمارس هذه اللّعبة، وتنمّي قدراته العقليّة، وتحقّق في نفسه المتعة في أثناء مزاولته هذه اللّعبة الذّهنيّة.

التعليقات


إضافة تعليق