تعزّزت فضيلة التّسامح في التّراث العربيّ، فكثرت الشّواهد على تلك المكانة العالية التي حلّ بها مبدأ التّسامح في حياة العرب، فكان الإطناب في توضيح مزايا ذلك المبدأ الإنسانيّ الجليل، وكثير من المعاني التي امتلأت بها المرويات التّراثيّة العربيّة عن التّسامح، تضّمنها أغلب نظريّات الفكر المعاصر في دراسات فروع العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، في وقتنا الرّاهن، فكان العرب سبّاقين إلى اكتشاف تلك المعاني التي يتضمّنها مفهوم التّسامح، وكانت تجاربهم الإنسانيّة، غنيّة بالمآثر والحكم النّفيسة التي تناقلتها الأجيال خلال الدّهور المتوالية، وقد كان الحقد الذي يكنّه الإنسان في نفسه نحو الأشخاص الآخرين، يشبّه بالسّمّ الذي يحتبسه في جسده، فيفتكّ به، وقد قيل في الموازنة بين الحيّة والإنسان، أنّ الحيّة هي أعقل من الإنسان، لأنّها تنفث سمّها إلى الخارج، بينما الإنسان عندما يحقد، فإنّه يوجّه السّمّ إلى ذاته، وقد كان الشّافعيّ قد ذكر:

"لمّا عفوت ولم أحقد على أحد... أرحت نفسيّ من همّ العداوات"

"إنّي أحيّ عدوّي عند رؤيته... لأدفع الشّرّ عنّي بالتّحيّات"

"وأظهر البشر للإنسان أبغضه... كأنّما قد حشى قلبي محبّات"

"النّاس داء ودواء النّاس قربهم... وفي اعتزالهم قطع المودّات"

وهذه الفكرة النّاضجة التي عبّر عنها الشّافعيّ منذ زمن موغل في القدم، أثبتت أنّه قد أدرك ببصيرته النّافذة دخائل النّفس البشريّة، وكان أبو علاء المعريّ ذكر:

"إذا عثرَ القومُ فاغفر لهم... فأقدام كلّ فريق عثر"

وهو قال أيضاً:

"إذا عفوت عن الإنسان سيّئة... فلا تروّعه تأنيباً وتقريعاً"

فبيّن الطّريقة المثلى في تعامل النّاس مع بعضهم البعض في تلك المواقف، التي تتأسّس على قواعد حسن السّلوك، ولطف المعاشرة، وهي نصائح اهتدى إلى صوابها علماء النّفس والتّربية في عالمنا المعاصر، وكان أبو العتاهية قال:

"خليليّ إن لم يغتفر كلّ واحد... عثار أخيه منكما فترافضا"

"وما يلبث الحيّان إن لم يجوّزوا... كثيراً من المكروه أن يتباغضا"

"خليلي باب الفضل أن تتواهبا... كما أنّ باب النّصّ أن تتعارضا"

فوضع قواعد في المعاملة، بعد أن بيّن المحاذير التي يجب أن يتلافاها النّاس في تعاملهم مع بعضهم البعض، وكان أبو الفتح البستيّ قال:

"خذ العفو وأمر بعرف كم... أمرت وأعرض عن الجاهلين"

"ولن في الكلام لكلّ الأنام... فمستحسن من ذوي الجاه ليّن"

حيث بيّن أنّ الرّقّة لا تدلّ على الضّعف والهوان، بل هي تؤكّد قوّة ورفعة الشّخصّ الذي يتّبع طريقة الملاينة في تعامله مع النّاس، ونصل إلى ابن نباتة الذي قال:

"والصّفح لا يحسن عن محسن... وإنّما يحسن عن جاني"

وفي هذا الكلام كتبت أبحاث ونشرت دراسات كثيرة في الفكر المعاصر، تبيّن فحوى هذا البيت، والحديث عنها يطول جدّاً، فالتّسامح هو صفة خلقيّة جليلة، ومبدأ إنسانيّ رفيع، يؤّسس قواعد الألفة والتّعاطف بين النّاس، وأصبح التّسامح زينة الفضائل التي تغنّى بها العرب القدماء في أقوالهم، وطبّقوها في أفعالهم.

التعليقات


إضافة تعليق