تظهر في مجرى العلاقات الاجتماعيّة النّاشئة بين الأفراد، قضايا ومسائل متعدّدة، تسترعي النّظر في شؤونها، وتستدعي البحث في مضامينها، وتتصدّى بحوث علم الاجتماع لمعالجة تلك المسائل التي تتبدّى في المجتمعات البشريّة، فينظر في معالمها بالتّحليل المعمّق، ويسبر غورها وأبعادها بالتّدقيق النّاجز، وتسجّل الملاحظات التي تغدو توثيقاً ثابتاً للمشكلات، التي تعالج في الدّراسات الجارية في نطاق علم الاجتماع، الذي رأى دوركايم أنّ ذلك الصّنف من العلم يهتمّ بدراسة "أنماط الحياة والظواهر والمشكلات الاجتماعيّة"، بينما ذهب ماكس فيبر في تعريفه علم الاجتماع إلى أن يقول "أنّه العلم الذي يحاول الوصول إلى فهم وتفسير للفعل الاجتماعيّ، وذلك من أجل الوصول إلى تفسير سببيّ"، وتتحقّق الإحاطة بتلك الوقائع والعلاقات الاجتماعيّة، بعد إدراك النّتائج التي تفضي إليها تلك الدّراسات القائمة في ميدان علم الاجتماع.

تتنوّع أنماط السّلوك، الذي يعنى بدراسته علم الاجتماع، حيث تبحث فيه، تلك الدوافع التي تنشئ السّلوك البشريّ، الذي كان نوعاً محدّداً منه، قد اتّخذ سمة متفرّدة، فكان يشترك كلّ أفراد المجتمع في مزاولته، حيث كان ذلك النّمط من السّلوك "ذات وجود خاصّ مستقلّ عن الصّور، التي تظهر عند كلّ شخص على حدة"، واصطلح على أن يطلق على ذلك النّمط من السّلوك اسم الظّاهرة، وقد باتت تندرج في مواضيع علم الاجتماع الظّواهر الاجتماعيّة، التي تمارس "نوعاً من القهر أو الضّغط الاجتماعيّ الخارجيّ على الأفراد"، فكان علم الاجتماع يهتمّ أيضاً "بدراسة الظّواهر الاجتماعيّة، التي هي عبارة عن قوى تفرض على المجتمع، نوعاً معيّناً من التّصرّف والتّفكير والعواطف، وهي ليست من صنع أفراد المجتمع بل هي تسبقهم في الوجود"، فيتناول علم الاجتماع الظّواهر الموجودة في المجتمع، حيث تعتبر تلك الظّواهر "واقعة اجتماعيّة كلّيّة، لا يمكن أن تختزل إلى جانبها السّياسيّ أو النّفسيّ أو الاقتصاديّ... وليست مجرّد محصلة حسابيّة لعناصرها المكوّنة"،فيهدف علم الاجتماع إلى أن يتيح الوسائل الملائمة، ليتحقّق فهم الظّواهر فهماً دقيقاً، حيث يقتضي أن تدرك القوانين التي تنتظم بها، العمليّات الاجتماعيّة القائمة في المجتمع.

حدّد عالم الاجتماع أوغست كونت وجود شرطين اثنين، ليتحقّق نشوء الظّواهر في المجتمع، وكان الشّرط الأوّل هو أن تنشأ الظّواهر الاجتماعيّة "وفقاً لقوانين محدّدة وبالبعد عن الأهواء والصّدف"، بينما عيّن الشّرط الثّاني في "ضرورة معرفة النّاس هذه القوانين"، وقد قسّم أميل دوركهايم الظّواهر الاجتماعيّة إلى نوعين اثنين، فكان أولاهما ظواهر عامّة "تفرض نفسها على جميع شرائح المجتمع"، بينما كان النّوع الثّاني من الظّواهر، تلوح في "بعض شرائح المجتمع وفي مدّة زمنيّة محدّدة وتحت ظروف معيّنة"، وقد كانت صفات الظّاهرة الاجتماعيّة، تحدّد ببعض السّمات، حيث يجب أن تتميّز بالموضوعيّة، التي تعني أنّ لها وجود "خارج شعور الفرد لأنّها ليست من صنعه بل يتلقّاها من المجتمع"، ويجب أن تكون تلك الظّواهر إلزاميّة، فهي تعني خضوع الإنسان "لإلزام أخلاقيّ وهو يؤدّي سلوكاً اجتماعيّاً محدّداً"، فتكون تلك الظّواهر قسريّة وإلزاميّة"، فلا يستطيع الفرد "الإفلات منها متى شاء، بغضّ النّظر عن إحساس الفرد لهذا الإلزام أو عدم إحساسه"، فالفرد لا يسعه أن يجابه معترضاً في المجتمع الذي يحيا فيه، العادات والأعراف والتّقاليد والقوانين، إذ يجب عليه أن يستنّ بها، وتكون الظّواهر تلقائيّة "يمارسها الفرد دون أيّ تردّد"، فمصدرها هو المجتمع الذي ينشئ تلك الظّواهر، التي تتّسم بالخاصّيّة الإنسانيّة، حيث تظهر داخل المجتمع البشريّ.

 

سعى الباحثون في نطاق علم الاجتماع، في أن ينجزوا الدّراسات، التي تيسّر لهم أن يفسّروا الظّواهر التي تنشأ في المجتمع، ودأبوا أيضاً في أن يكشفوا عن القوانين، ويضعوا النّظريّات العلميّة، التي تتيح لهم أن يوضّحوا المسائل والقضايا المجتمعيّة، وقد كان أحد مواضيع علم الاجتماع، هو دراسة "كيفيّة تنظيم وبناء الأطر الاجتماعيّة للحياة الإنسانيّة"، واهتمّ أولئك الباحثون في ميدان ذلك العلم، بأن يتناولوا القضايا الاجتماعيّة، التي يعمّ بعضها غالبيّة المجتمعات، مثل موضوع التّفكّك الأسريّ، والتّشرّد، والتّفرقة بين الجنسين، فكانت تجرى البحوث، التي يعالج فيها مسائل اجتماعيّة شتّى، ويعنى علم الاجتماع بتوضيح "أسباب تغيير المجتمعات الإنسانيّة وتطوّرها"، وتهدف الدّراسات الجارية في ذلك العلم أيضاً، إلى أن تحدث "عمليّات الإصلاح بالمجتمع والتّخطيط وتحقيق الخدمة الاجتماعيّة، التي يقدّمها العلم نفسه إلى المجتمع"، فاهتمّ الباحثون في مواضيع علم الاجتماع، بالنّظر في الظّواهر الاجتماعيّة والمشاكل التي كانت تلوح في المجتمع، حيث يستخدمون مناهج علميّة، في تناولهم المواضيع الاجتماعيّة المتنوّعة، وكانت تمهّد لهم، تلك الطّرائق المتّبعة، السّبيل إلى أن يجمعوا المعلومات والبيانات لدراسة "مشكلات المجتمع في الوقت الرّاهن، والتّنبّؤ بالنتائج العامّة لهذه المشكلات في المستقبل"، فسعى أولئك الباحثون في نطاق علم الاجتماع، في أن يوثّقوا مواضيع المشاكل التي تتجلّى في المجتمع، وقد كانت تلك الدّراسات التي أجروها، توفّر لهم أيضاً وجود الفرص الملائمة لحلّ المشاكل المجتمعيّة.

التعليقات


إضافة تعليق