مقتطفات من رواية أناشيد الألم (56)

سنة النّشر 1987

تطايرت الأوراق اليابسة الصّفراء في مخترق الرّياح، التي ما برحت تهتزّ في مهبّها أفنان الأشجار، ورأيت نادية ترمق مناظر الطّبيعة من خلال زجاج النّافذة، فاستأذنتها في الذّهاب إلى المطبخ لأحضّر شراب الشّاي، وتمهّلت في إعدادي ذاك المشروب السّاخن، لأفسح لها متّسعاً من الوقت، تفرغ فيه من تأمّلها، وما إن أقبلت نحوها، حتّى ألفيتها ما تزال على تلك الحالة من التّفكير التي استغرقت فيه، فلم أشأ أن أبعثها من غفوتها الحالمة، وأن أنبّهها من نشوتها الوادعة، كي لا أبدّد روعة ذلك المشهد الذي أرنو إليه، فأرمق مسافر وجهها الصّبيح وقد تبدّت في أسارير جبهتها أطياف أمانيها الزّاهرة، وزهت في وجنتيها رغائب نفسها الطّاهرة، فغدت نادية كإحدى الحوريات الحسان اللّواتي اكتملت صورتهنّ في خيالي، من دون أن أرى لهنّ ظلّاً متشكّلاً في وقائع الحياة، ولا ألفي صنواً لإشراقهن إلّا في أنوار السّماء البرّاقة، فكأنّ حلّت تلك الأطياف التي تحوم في فكري بكيان نادية، واستقرّت تلك الأخيلة التي تجول في خاطري بهيئتها.

أحسّت باقترابي منها، فقدّمت إليها كأس الشّاي، فتناولتها بيد مرتعشة، قد أرعدتها حدّة تلك الخواطر التي جالت في فكرها، وبدأت ترشف ذلك الشّراب السّاخن بتمهّل، بينما كنت آخذ في أن أتأمل في أثناء تجرّعها مشروب الشّاي، رشاقة قدّها وملاحة جسدها، فلمحت اتّساق قوامها الممشوق بحسن فريد وجمال فتّان، وأبصرت شموخ منكبيها بسموّ واعتزاز، وقد انضمّا برفق إلى أعطاف جذعها، ولم تبد منّي تلك اللّمحة عن مآثم الغواية، فكان ذلك الشّعور الذي يشمل وجهها بصوره المضيئة، يعمّ سائر قوامها بأشكاله العديدة، فلا ينطبع في ذهني إلّا مشاهد تلك العواطف الطّاهرة، وما نفع جسد تكوّنت فتنته واكتملت روعته، إن غاض فيه ذلك الشّعور السّامي، والعاطفة النّبيلة، اللذان يوشّجان بين أوصاله بسريانهما فيها، ويغطّيان إهابه بجريانهما عليه، ولم يظهر لي هذا الجمال المتكوّن من وسامة وجهها، وبهاء قدّها على هذه الشّاكلة من الرّونق إلّا بعدما أبصرت ذلك الإحساس، الذي دبّ فيه، وأدركت تلك العواطف التي تتدفّقت منه، فتحقّق تصورّي لهذا الجمال في أنقى هيئة من الجهارة، وأسمى صورة من الطّهارة.

 

مسافر الوجه: ما يظهر منه.

التعليقات


إضافة تعليق