تتّضح مظاهر الحياة الاجتماعيّة التي يعيشها الأفراد، في نطاق عمليّة التّفاعل الاجتماعيّ الذي ينشأ بين شخصين اثنين، أو مجموعة من الأفراد، وليس في وسع الإنسان إلّا أن يكون كائناً اجتماعيّاً، إذ وصف بأنّه حيوان اجتماعيّ، فيتحقّق اتّصال وتفاعل دائمان بينه وبين سائر الأفراد في المجتمع، الذي يندمج فيه ذلك الإنسان، فكانت تلك الخاصّيّة الاجتماعيّة، تميّز بها سلوك الفرد، وقد اتّخذ البحث في علاقات النّاس مع بعضهم البعض، منهجاً علميّاً، أطلق عليه اسم علم الاجتماع، الذي ذكر في أحد التّعاريف التي وضعت لتوضيح الأبحاث الجارية فيه، أنّه علم دراسة المجتمع، حيث يتناول دراسة المجتمع الإنسانيّ، ويبحث في العلاقات الحادثة بين النّاس، ويستنبط من "ملاحظة ومشاهدة تلك العلاقات الإنسانيّة قوانين علم الاجتماع"، وقد كان عبد الرّحمن بن محمّد ابن خلدونأوّل من أسّس علم الاجتماع، حيث بادر إلى أن ينشئ قواعد ذلك العلم، وقد ولد في تونس في عام 1332م، وقد أدرك ابن خلدون أنّه أنشأ بحثاً جديداً، حين قال في مقدّمته "أعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصّنعة"، وكان أطلق على ذلك البحث الذي أنشأه، اسم علم العمران، قبل أن يعرّف لاحقاً بعلم الاجتماع، وهو حدّده بأنّه "ما يعرض لطبيعة العمران من الأحوال مثل التّوحّش والتّأنّس، والعصبيّات وأصناف التّغلّبات للبشر على بعضهم البعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدّول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصّنائع، وأثر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال وما لذلك من العلل والأسباب"، فاستطاع ابن خلدون أن يسبق بنظريّاته التي وضعها، العديد من علماء الاجتماع في الزمن المعاصر.

كان الفيلسوف الوضعيّ أوغست كونت، قد أطلق على البحث الذي تجري فيه دراسة الظّواهر الاجتماعيّة، مصطلح الفيزياء الاجتماعيّة، إذ كان يعتقد أنّ "الظّواهر الاجتماعيّة يمكن أن تدرس بطريقة علميّة"، ثمّ وضع كلمة سوسيولوجيا ليشير بها إلى علم الاجتماع، والعلم في حدّ ذاته، يفسّر بأحد التّعاريف بأنّه "فرع من فروع المعرفة، أو مجالات الدّراسة التي تبحث الوقائع، أو الحقائق المرتّبة تريباً منهجيّاً، لإظهار عمل القوانين العامّة"، وذلك المصطلح سوسيولوجيا الذي وضعه كونت عام 1830، يجمعباللّغة الأجنبيّة، بين الكلمة اللّاتينيّة "Socius"، وهي تعني شعباً أو قبيلة أو مدينة متحالفة مع روما، ثمّ دلّت في وقت لاحق على كلمة المجتمع "Society"، بينما كانت الكلمة اليونانيّة "Logos"، تعني العقل أو المعرفة، فهدف علم الاجتماع إلى أن يدرس السّلوك الإنسانيّ، والطّرائق التي ينتظم بها المجتمع، وقد أوضحت آنفاً أنّ الفرد لا يملك إلّا أن يكون كائناً اجتماعيّاً يعيش في وسط اجتماعيّ، حيث يظلّ على اتّصال ببقيّة أفراد المجتمع، وقد كان الفيلسوف سبنسر ذهب إلى أن يذكر أنّ علم الاجتماع "هو العلم الذي يصف ويفسّر نشأة وتطوّر النّظم الاجتماعيّة، والضّبط الاجتماعيّ والعلاقات بين النّظم الاجتماعيّة"، فهو علم تجريبيّ يقوم على الملاحظةوإعمال الفكر في الظّواهر الاجتماعيّة"لا على البحث في مسائل ميتافيزيقيّة (علم ما بعد الطّبيعة) كما أنّ نتائجه ليست تأمّليّة بل تفسّر العلاقات بين موضوعات البحث الاجتماعيّ تفسيراً علميّاً"، فتلك المعرفة التي تستخلص من ذلك العلم، تنشأ عن استخدام المنهج العلميّ، في دراسة أبنية ومكوّنات الحياة الاجتماعيّة.

يهتمّ الباحثون في علم الاجتماع أيضاً، بدراسة خصائص المجموعات الاجتماعيّة والمنظّمات والمؤسّسات التي ينشئها البشر، حيث يدرسون في نطاق ذلك العلم، التّفاعل الاجتماعيّ بين تلك المجموعات، التي يهدف علم الاجتماع إلى "أن يكشف القوانين التي تحكمها"، فعلم الاجتماع هو الدّراسة العلميّة التي يجرى فيها "البحث في المظاهر الاجتماعيّة للحياة الإنسانيّة والمعرفة البشريّة المرتبطة بها"، إذ يدرس أنظمة الجماعات، والطّرائق التي تكوّنت فيها تلك الجماعات، ويبحث أيضاً في الطرّيقة التي تطوّرت فيها، فيعنى علماء الاجتماع بالإحاطة بتلك "القواعد والعمليّات الاجتماعيّة التي تربط بين النّاس ليس فقط كأفراد، لكنّ كأعضاء جمعيّات ومجموعات ومؤسّسات"، ويهدف علم الاجتماع إلى تحديد الدّعائم الأساسيّة التي ترتكز عليها الجماعات البشريّة، حيث يبحث في أحوال المجتمع "لمعرفة المبادئ العامّة لحياة ذلك المجتمع وخصائصه، ودراسة التّطوّرات التي تمرّ على المجتمع والتي تؤثّر على ظواهره وأنظمته، وخاصّة أنّ الظّاهرة الاجتماعيّة دائمة التّغيّر والتّقلّب من فترة لأخرى"، فيدرس علم الاجتماع الظّواهر الاجتماعيّة، كي يتسنّى "صياغة النّظريّات التي تؤسّسها مجموعة من القضايا المتناغمة، والمأخوذة من واقع التّجربة الاجتماعيّة بالاستقراء والقياس"، فكان أحد مواضيع علم الاجتماع، هو تفسير نشوء تلك المجموعات الاجتماعيّة، التي يجري فيها التّفاعل بين الأفراد، حيث يدرس في نطاق ذلك العلم، سلوك أولئك الأشخاص في العلاقات الاجتماعيّة كافّة، التي تربط بينهم.

تجري في بحوث علم الاجتماع، دراسة نسق العلاقات الاجتماعيّة، حيث عرّف النّسق الاجتماعيّ بأنّه "أيّة وحدة اجتماعيّة ضمن نظام اجتماعيّ تؤدّي وظيفة ضمن شبكة معقّدة، يهدف أطرافها إلى تحقيق التّكافل والاستقرار في المجتمع"، وينظر في تلك الوحدة الاجتماعيّة، إلى سلوك الأفراد الذين يتحقّق التّفاعل الاجتماعيّ فيما بينهم، ويوضّح راد كليف براون مفهوم النّسق، فيذكر أنّه "مجموعة معيّنة من الأفعال والتّفاعلات بين الأشخاص، الذي توجد بينهم صلات متبادلة"، وتلك التّفاعلات التي كانت تحدث بين الأفراد، أحد ركائز العمليّات الاجتماعيّة التي تجري في المجتمع، وهي تكوّن "النّموذج الذي تتسلسل وفقه، عدّة وقائع وحوادث اجتماعيّة ناتجة بعضها من بعض"، وتلك العمليّات الاجتماعيّة هي مستمرّة في المجتمع، إذ كانت ما تبرح "تنقله من حال إلى آخر"، فيجري في نطاق علم الاجتماع دراسة نسق تلك العلاقات الاجتماعيّة، ويحلّل أنماطها وأنواعها المختلفة، ويبحث في "العوامل التي تؤدّي إلى زيادة هذه العلاقات، أو إلى تفكيكها، سواء بين الأفراد أو الجماعات داخل المجتمع"، فالنّسق الاجتماعيّ هو عنصر يحقّق وظيفة في المجموعة حيث "يشكّل النّسق كوحدة في بناء كلّيّ"، ويعالج في نطاق علم الاجتماع، النّظام الاجتماعيّ، ليتسنّى معرفة "التّغيّير الذي يحدث على نوعيّته والوظائف التي يجب أن يقوم بها"، ويسعى في أبحاث ذلك العلم، إلى "معرفة طبيعة حياة البشر الاجتماعيّة، ومدى اختلافها عن حياة سائر الكائنات الحيّة"، وقد تضمّنت أبحاث علم الاجتماع دراسة "أحوال تباين المجتمعات الحديثة عن المجتمعات التّقليديّة"، إذ بحث أيضاً في أنماط معيشة الناس في تلك المجتمعات التي يعيشون فيها.

إنّ مجموعة تلك العلاقات التي تربط بين الشّخص وأفراد المجموعة التي ينضوي إليها، تحدّد الدّور الاجتماعيّ الذي يؤدّيه ذلك الشّخص، وهذا الدّور يشكّل أحد معالم النّظام الاجتماعيّ الذي يتجلّى في المجتمع، حيث عرّف ذلك النّظام بأنّه "مجموعة الأدوار الاجتماعيّة المنظّمة التي تتّصل بمجال معيّن من مجالات الحياة الاجتماعيّة، والتي تخضع لمعايير وقواعد اجتماعيّة ثابتة"، وقد حدّد ذلك النّظام الاجتماعيّ أيضاً بمجموعة منظّمة "من القواعد الاجتماعيّة، التي تخضع لمعايير ثابتة لضبط التّعامل والسّلوك"، فمصطلح النّظام الاجتماعيّ، يشير إلى مجموعة من البنى والمؤسّسات والممارسات الاجتماعيّة المترابطة، والتي كانت "تحمي وتحافظ وتقوّي الطّرق المعتادة للتّصرّف والفعل داخل المجتمع"، وفكرة الثّبات هي كانت تهيّئ "الاستقرار النّسبيّ لمنظومة تشكّلها أنواع من التّفاعلات والعادات"، حيث يتاح لمظاهر تلك الحياة الاجتماعيّة، أن تحقّق دائماً "إعادة إنتاج الشّروط الضّروريّة لوجودها"، فتصبح تلك العلاقات المستقرّة النّاشئة بين الجماعات البشريّة، هي أسس ذلك البناء الاجتماعيّ، الذي تتجلّى فيه القواعد التي تنظّم الأنشطة التي تجري في المجتمع.

ملاحظة: سنذكر بالتّفصيل في خاتمة هذا البحث، المصادر التي لها صلة بموضوع هذا البحث.

التعليقات


إضافة تعليق