تتنوّع أشكال الوثائق التي يحرص النّاس على الاحتفاظ بها، وصيانتها وحمايتها من أسباب التّلف والاندثار التي تهدّد تلك الموادّ الوثائقيّة، التي يكون أغلبها هشّاً في بنيانه، نظراً لمرور الأزمان عليه، وبرزت في الآونة القريبة، موادّ جديدة أدرجت في عداد الوثائق التي تستوجب العناية بها، وتوفير مستلزمات الرّعاية لها، وذلك النّمط الجديد الذي أضيف إلى مجموعة الوثائق التي تقتنى، هي الوثائق السّمعيّة والبصريّة، التي هي "فئات من أوعية المعلومات غير التّقليديّة، تقوم على تسجيل الصّوت أو الصّورة المتحرّكة، أو هما معاً بإحدى الطّرق التّكنولوجيّة الملائمة، وتصنع بمقاسات وسرعات متفاوتة، وتظهر في أشكال متنوّعة أشهرها الشّريط والقرص والأسطوانة، وتستخدم في أغراض البحث ومجالات التّرفيه"، وعرّفت أيضاً تلك الموادّ السّمعيّة والبصريّة بأنّها "عبارة عن كافّة الموادّ والوسائل والأوعية والأجهزة، التي قد تستخدم في التّعامل والتّعبير عن المعلومات، وتعتمد بشكل رئيس على السّمع والبصر أو كليهما معاً في إدراك المعلومة"، وتتفرّع تلك الموادّ إلى أصناف عديدة، وزّعت في فئات متمايزة عن بعضها البعض، فكانت إحدى تلك الفئات حدّدت صفتها "استناداً إلى طبيعة الحواسّ التي تستخدم في الاتّصال بها واستيعاب رسالتها"، بينما كانت الفئة الثّانية، التي وزّعت إليها تلك الموادّ الوثائقيّة التي ذكرتها آنفاً، مرتكزة على "الطّريقة التي أعدّت وصنعت وأنتجت بها تلك الموادّ الوثائقيّة"، ويبرز بين الموادّ التي صنّفت ضمن الفئة الأولى، الموادّ البصريّة، حيث يعتمد النّاس على حاسّة البصر عندهم في تعامل مع ذلك النّمط من الموادّ، التي يندرج في عدادها، النّماذج، والمجسّمات، والعيّنات والصّور، والرّسوم المختلفة، واللّوحات، والخرائط، والمصغّرات الفيلميّة، والشّرائح الفيلميّة الثّابتة غير النّاطقة، والشّرائح المجهريّة، والدّمى وسائر الألعاب المتنوّعة.

إنّ تلك الفئة التي تحدّثت عنها آنفاً، وهي التي تضمّ الموادّ التي يتحقّق تلقّيها اعتماداً على الحواس، تشتمل أيضاً تلك الموادّ التي تستند إلى حاسّة السّمع وحدها، في استيعاب محتويات تلك الموادّ والإحاطة بالمعاني والأفكار التي تشتمل عليها، وهي سمّيت بالموادّ السّمعيّة، التي يندرج فيها، التّسجيلات والأشرطة الصّوتيّة، والأسطوانات، والبرامج الإذاعيّة، والأشرطة الصّوتيّة الفنّيّة، التي تضمّ الأغاني والموسيقا على سبيل المثال، وتضاف إليها أيضاً الأشرطة الصّوتيّة الوثائقيّة، وقد اعتبرت تلك الوثائق السّمعيّة والبصريّة "تراثنا المشترك وهي تحتوي على السّجلّات الأوّليّة لتاريخ القرنين العشرين والقرن الحادي والعشرين"، فهي حديثة النّشأة قياساً إلى سائر الموادّ الوثائقيّة التي تقادم عليها الزّمن، ونظراً لصفة الهشاشة التي تغلب على تلك الموادّ الوثائقيّة التّراثيّة، فإنّه "ممّا يؤسف له أن هذا التّراث معرّض للخطر، لأنّ التّسجيلات الصّوتيّة والصّور المتحرّكة يمكن تدميرها عمداً أو فقدها بصورة لا رجعة فيها نتيجة للإهمال والتّدهور والتّقادم التّكنولوجيّ"، وقد كان المؤتمر العامّ لليونسكو في دورته الثّالثة والثّلاثين أصدر القرار 33م/53 الذي أعلن يوم 27 تشرين الأوّل /أكتوبر يوماً عالميّاً للتّراث السّمعيّ والبصريّ، وكان اختيار ذلك اليوم احتفالاً "باعتماد المؤتمر العامّ في دورته الحادية والعشرين عام 1980 التّوصية الخاصّة بحماية الصّور المتحرّكة"، وكان إعلان ذلك اليوم يهدف إلى اعتباره "آليّة لزيادة الوعي العامّ بضرورة الحفاظ على الموادّ السّمعيّة البصريّة الهامّة، والحفاظ عليها للأجيال المقبلة واتّخاذ تدابير عاجلة لحفظ هذا التّراث، وضمان أن تظلّ متاحة للجمهور الآن، وإلى الأجيال المقبلة"، وقد أسهم إقرار ذلك اليوم للاحتفال بالتّراث السّمعيّ والبصريّ، في زيادة وسائل العناية المتنوّعة التي وفّرت لصيانة وحفظ ذلك النّمط من الموادّ الوثائقيّة.

كانت موادّ ذلك التّراث السّمعيّ والبصريّ، تتّسم بالتّعدّد الذي أظهر خصائصها المتنوّعة، وقد وزّعت تلك الموادّ إلى وحدات أرشيفيّة، بحسب طبيعة وخصائص تلك الوثائق التّراثيّة، التي صنّفت في نوعين اثنين، حيث كانت أحدهما الموادّ غير قابلة للبثّ، كأنّ تكون في هيئة الأوراق، مثل نصوص البرامج ونشرات الأخبار، بينما كان ثاني نوعي تلك الموادّ، هي القابلة للبثّ، مثل الأفلام السّينمائيّة، والأفلام الموسيقيّة، ومجموعة التّأثيرات المرئيّة والصّوتيّة والأفلام الثّابتة والشّرائح وتسجيلات الفيديو، وقد استدعى نشوء وانتشار أنواع تلك الوثائق التّراثيّة، إلى إحداث منظّمات دوليّة تهتمّ بالعناية بتلك الموادّ الأرشيفيّة، وكانت تنوّع سمات تلك المنظّمات وتتحدّد، بحسب هويّة الموادّ التي تعني بها خاصّة، فوجد منظّمات دوليّة متخصّصة في مجال الصّورة المتحرّكة والصّوت، وهي الاتّحاد الدّوليّ لأرشيف الأفلام "FIAF, International Federation of FilmArchive"، وقد نشأت منظّمة تهتمّ ببرامج التّلفزيون وهي الاتّحاد الدّوليّ لأرشيف التّلفزيون "FIAT, (IFTA)Intrernational Federation of Television Archives"، بالإضافة إلى ظهور الجمعيّة الدّوليّة للأرشيفات الصّوتيّة والسّمعيّةالبصريّة "IASA, InternationalAssociation of Sound and Audiovisual Archives"، وتلك الجهود التي بذلتها تلك المنظّمات الدّوليّة في حفظ وصيانة موادّ ذلك التّراث الأرشيفيّ، قد تضافرت مع تلك المساعي التي أتتها اللّجان الفرعيّة للموادّ السّمعيّة البصريّة للمجلس الدّوليّ للأرشيف "ICA, International Councilon Archives"، والاتّحاد الدّوليّ لجمعيّات المكتبات"IFLA, InstitutionInternational Federaration of Library Associations "، الذين يعنون أيضاً بصيانة وحفظ تلك الموادّ الوثائقيّة التّراثيّة.

تحدّد موضوع العام 2010 في الاحتفال باليوم العالميّ للتّراث السّمعيّ البصريّ، بشعار "احفظ وتذوّق التّراث السّمعيّ البصريّ الخاصّ بك الآن"، بينما عيّن الموضوع الاحتفال بذلك اليوم العالميّ في عام 2011 بشعار "انظر.. استمع.. وتعلّم"، وكان موضوع احتفال عام 2012، هو "الوقت ينفد"، بينما كان شعار عام 2013، هو "حفظ تراثنا للأجيال المقبلة"، بينما كان احتفال عام 2014، اندرج تحت شعار "المحفوظات معرّضة للخطر، يبقى الكثير ممّا ينبغي فعله"، وكان الموضوع الذي أعلن للاحتفال بذلك اليوم في عام 2015 هو "أرشيف المخاطرة: حماية هويّات العالم"، وقد حدّد موضوع عام 2016 لهذه الاحتفاليّة بشعار "إنّها قصّتك: لا تفقدها"، وكان الدّافع إلى إثارة همم النّاس بالعناية بتلك الموادّ الأرشيفيّة، ظاهراً في معاني موضوع عام 2017 الذي كان "اكتشاف التّراث واستحضاره ونشره"، بينما كان شعار 2018 هو "قصّتك تتحرّك"،  وأمّا موضوع اليوم العالميّ للتّراث السّمعيّ البصريّ في هذا العام الحاليّ 2019، فهو "استحضار الماضي بالصّوت والصّورة"، فكانت تتوالى مناسبات الاحتفال بذلك اليوم العالميّ، حيث تميّز كلّ منها بموضوع خاصّ، يبرز الأهداف التي كان توخّي إلى أن تدرك.

كان أحد أهداف تلك الاحتفالات المتوالية بذلك اليوم العالميّ للتّراث السّمعي والبصريّ، هو إثارة الهمم عند النّاس بإسداء الرّعاية الملائمة لتلك الموادّ الأرشيفيّة، وخصوصاً لأنّ تلك الموادّ، كانت قابلة للعّطب، فيتوّجب صيانة تلك الموادّ السّمعيّة والبصريّة، حيث أنّ الإسطوانات أو الأقراص يجب أن تكون في منأى عن الحرارة والرّطوبة والأتربة، وأشعّة الشّمس المباشرة، وعن الموادّ الكيماويّة، والمجالات المغناطيسيّة كأجهزة التّلفزيون، والتّسجيل، فتلك الموادّ تحتاج إلى عناية خاصّة"لضمان سلامتها في الأجل الطّويل"، واعتبرت تلك الموادّ الأرشيفيّة "الأوعية التي تنطوي على تاريخ البشريّة الجماعيّ، حيث تظهر معالم الماضي، وهي تشتمل على تراثنا الثّقافيّ"، حيث كانت محفوظات التّراث السّمعيّ والبصريّ تعني "نضوجنا وفهم العالم الذي نتشاركه جميعاً"، وهي كانت تتّسم بخاصّيّة مميّزة حيث أنّها "بتجاوزها الحدود الثّقافيّة واللّغويّة، جذبت بصر وآذان المجتمعين المتعلّم والأمّيّ على السّواء، فالوثائق السّمعيّة والبصريّة قد حوّلت سير المجتمعات لكونها مكمّلة للسّجلّ المكتوب التّقليديّ"، وتلك الموادّ الوثائقيّة، إذ كانت تشتمل وقائع التّاريخ الإنسانيّ، فإنّه هدف أيضاً الاعتناء بتلك الوثائق، إلى أن يتحقّق "التّشارك بذلك التّاريخ مع الأجيال القادمة"، فيمتدّ النّفع الذي يعود من صيانة وحفظ تلك الوثائق الأرشيفيّة، إلى آماد تلك الأزمنة القصية الآتية.

تحقّقت تطوّرات عديدة في عالم التّكنولوجيا الرّقميّة، وقد بلغ تأثير ذلك التّقدّم التقنيّ الحاصل، إلى نطاق الصّناعة السّمعيّة والبصريّة ومؤسّسات التّلفزيون والإذاعة، وتعني الرّقمنة في أحد معانيها، "عمليّة التّحوّل في الأساليب التّقليديّة المعهودة إلى نظم الحفظ الألكترونيّة، ويستدعي هذا التّحوّل التّعرّف على كلّ الطّرق والأساليب القائمة واختيار ما يتناسب مع البيئة التي يتحقّق فيها هذا التّحوّل"، ويطلق على نتيجة التّحويل الرّقميّ اسم "التّمثيل الرّقميّ"، وقد وفّرت الرّقمنة الوسائل المناسبة لحفظ الوثائق السّمعيّة والبصريّة، إذ "يفيد تحويل الوثائق التّماثليّة على وعاء رقميّ في حماية الوثيقة الأصليّة، وفي إيجاد نسخة رقميّة للتّداول ذات جودة عالية مطابقة تماماً للأصل"، وتتميّز تكنولوجيا الرّقمنة في إحدى خصائها بأنّها "تفصل بين الوعاء والمحتوى، بحيث تصبح المعلومات السّمعيّة والبصريّة غير مرتبطة بوعاء مادّيّ مثل وعاء فيديو كاست"، ولا يكون متيسّراً على الأغلب، إن لم ينفّذ ذلك التّطوّر التّكنولوجيّ في تحقيق عمليّة التّحويل الرّقميّ، أن تظلّ تلك الموادّ السّمعيّة البصريّة باقية ومستمرّة في وجودها، إذ لولا وجود عمليّة الرّقمنة، فإنه قد اعتقد أنّه "ستختفي أجزاء كبيرة من تراثنا الثّقافيّ وتضيع إلى الأبد"، ولا ريب في أنّ نشر أسباب التّوعية بأهمّيّة الوثائق السّمعيّة والبصريّة، يبني الدّافع إلى تحقيق صيانة ورعاية تلك الموادّ الأرشيفيّة، التي تشتمل على أجزاء معتبرة من تاريخنا، الذي يجب أن يتاح للأجيال المقبلة أن تتلقّاه كاملاً في قادمات الأيّام.

التعليقات


إضافة تعليق