تنشأ بين النّاس علاقات شتّى، تصل بينهم، وتجمع بعضهم ببعض، وكانت تلك الرّوابط التي تؤلّف بين الأشخاص، محطّ النّظر والتّدقيق منذ الزّمن البعيد في العهود الأغريقيّة القديمة، قبل أن يتّخذ البحث في تلك الرّوابط التي تؤّلف بين البشر، نهج العلم القائم على مبادئ وقواعد راسخة، فأصبح ذلك البحث في تلك العلاقات النّاشئة بين الأشخاص، منذ أن اتّبعت تلك الطّريقة الجديدة في الدّرس والتّدقيق، يندرج في نطاق العلوم الحديثة، على الرّغم من أن معالجة المواضيع التي تدخل في نطاق تلك العلوم، قد جرت في مراحل متقطّعة في التّاريخ البشريّ، وكان ذلك البحث الذي أشرت إليه آنفاً، هو الباعث إلى نشوء تلك العلوم الاجتماعيّة التي يعنى فيها "بإيجاد القواعد والعمليّات الاجتماعيّة التي تجمع بين الفرد والفرد الآخر، وعلاقته بالمجتمع وبالبيئة التي يعيش فيها"، وبات مصطلح العلوم الاجتماعيّة يحدّد في تلك الدّراسات العلميّة، التي تعالج فيها قضايا ومسائل المجتمع، وعلاقات الأفراد ببعضهم البعض ضمن المجتمع الذي ينضوون إليه، حيث كانت تلك الرّوابط الاجتماعيّة، تستند إلى مواقف وأفعال متبادلة بين أولئك الأفراد، وينشأ عن تلك الدّراسات الاجتماعيّة أفرع علميّة عديدة، وهي تنظر في "السّلوك الإنسانيّ الذي يشمل النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة"، وأمّا تلك الأفرع التي تصدر عن تلك العلوم الاجتماعيّة، فإنّه يندرج في عدادها على سبيل المثال، علم الاقتصاد، وعلم السّياسة، وعلم الإنسان "الأنثروبولوجيا"، وعلم الاجتماع، والتّاريخ، والجغرافية الاجتماعيّة والجغرافية الاقتصاديّة، ويطلق على العلوم الاجتماعيّة مصطلح العلوم المرنة "Soft sciences"، وهي تسمّى أيضاً بالعلوم النّظريّة، بينما يقابلها العلوم الصّلبة "Hard sciences"، وتسمّى أيضاً بالعلوم الطّبيعيّة، وتعدّ العلوم الاجتماعيّة أقدم العلوم التي بحثت فيها شؤون الإنسان، فكانت أوّل منهج نظريّ، درست فيه صلات الأفراد ببعضهم البعض، وبحثت فيه أيضاً علاقة الفرد بالبيئة والمجتمع.

إنّ النّتائج التي تستخلص من أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، تتميّز بنفعها الثّابت وأهمّيتها البارزة، وهي تشمل كلّ الأنشطة الإنسانيّة التي تبرز في مجرى حياة النّاس، وتعدّ تلك العلوم الاجتماعيّة "علم العلوم لقدرتها على تقديم النّظرة الثّاقبة حول كيفيّة عمل كلّ من العلوم الأخرى"، فمهّدت تلك العلوم الاجتماعيّة السّبيل إلى معالجة القضايا والمسائل الهامّة والأزمات العديدة، التي تتصدّر الشّؤون التي يعنى بها الأفراد في المجتمع، وهي قدّمت أيضاً التّفاسير التي وضّحت مواقف النّاس تجاه القضايا المختلفة التي أقدموا على معالجتها، حتّى أصبح "إيلاء الاهتمام بالعلوم الاجتماعيّة، يعني العناية والكفاءة والقدرة على معالجة مسائل عديدة تبرز في المجتمع"، وبات تحقيق النّظر في تلك المسائل المتنوّعة التي كان اهتمّ بها النّاس، يتوقّف على نتائج أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، التي أنارت الدّراسات التي أجريت في نطاقها، تلك الطّرائق التي يتعامل النّاس فيها مع بعضهم البعض.

إنّ مدار البحث في العلوم الاجتماعيّة هو السّلوك الإنسانيّ، بينما كانت الدّراسات التي تبحث فيها حالة الإنسان وثقافته والأشياء التي ينتجها، يطلق عليها اسم العلوم الإنسانيّة "Humanities"، التي تتوزّع إلى أفرع عديدة، وهي على سبيل المثال، الفنون مثل الأدب والموسيقا والرّسم، ثمّ علوم اللّغة، والآثار واللّسانيّات والفلسفة، والدّيموغرافيا، وكانت النّتائج التي تتمخّض بها الدّراسات التي تجرى فيها، تتيح للنّاس تبيان الطّرائق التي يحقّق فيها، التّطوّر والابتكار في الأعمال التي ينتجونها، فتلك العلوم الإنسانيّة هي "مصدر القوّة والمدنيّة والذّاكرة الوطنيّة والتّفاهم الثّقافيّ والقيم الإنسانيّة والمثل العليا"، وهي تسهم في أن يتحقّق دوام "الأعراف والتّقاليد والنّظم التي تتميّز بها الدّول والمجتمعات، عن بعضها البعض"، فيعنى في نطاق تلك العلوم الإنسانيّة، بدراسة وتفسير الخبرات والأنشطة والنّتاجات والأعمال التي يأتيها النّاس، الذين تمدّ النّتائج المستخلصة من أبحاث تلك العلوم الإنسانيّة، آفاق فكرهم، وتنير أذهانهم، وتوضّح لهم حقائق وجودهم، وطبيعة روابط كلّ فرد منهم مع سائر مكوّنات تلك البيئة التي يعيش فيها.

عنى الدّارسون في نطاق تلك العلوم الإنسانيّة، بالبحث في الظّواهر والتّجارب البشريّة، حيث كانوا يسعون في أن يضعوا التّفاسير، التي توضّح حقائق تلك الأشياء التي يدرسونها في ميدان تلك العلوم، التي تعرّف الإنسان أيضاً على مسار التّطوّر الذي تمضي فيه أحواله، وتمدّ ذلك الإنسان أيضاً بقواعد الفكر النّقديّ والعلميّ، وأسس التّقييم الموضوعيّ الذي ينظر فيه إلى خصائص وجوده في هذا العالم، فيتبّع في تلك العلوم الإنسانيّة، النّهج الذي يفضي إلى "فهم التّجربة الإنسانيّة من منظور ذاتيّ عميق، وشخصيّ، وتاريخيّ"، وهي تتناول "الطّرق التي تتيح للتّأمّل الذّاتيّ والفنّ والموسيقا والشّعر والدّراما واللّغة المجازيّة أن تعكس حالة الإنسان"، فتلك العلوم والدّراسات تتناول النّشاط البشريّ، باتّباع النّهج الذي يسعى فيه إلى "دراسة التّجارب النّفسيّة والحسّيّة التي يمرّ بها الإنسان"، فتوضّح مفسّرة التّجارب الإنسانيّة من كافّة "نواحيها الثّقافيّة والإنسانيّة والتّاريخيّة والرّوحانيّة والشّخصيّة والسّياسيّة"، فالعلوم الإنسانيّة هي علوم الصّفات، وليس الكمّيّات، لأنّها "تهتمّ بدراسة صفات الأشياء، من دون أن يعنى فيها بالنّظر في الكمّيّات التي تكون عليها"، ويعنى فيها أيضاً بدراسة قدرة الإنسان على التّعبير عن نفسه.

فسّرت النّتائج التي قدّمتها تلك العلوم الإنسانيّة الطّرائق التي ينتهجها النّاس في "توثيقهم تجاربهم الإنسانيّة"، حيث كان الإنسان اتّبع سبل عديدة في سعيه إلى أن يدرك العالم، فاستند إلى أبحاثه الفلسفيّة والتّاريخيّة، وسلك نهج الفنون المتنوّعة والأبحاث اللّغويّة، فكانت هذه المواضيع بمجملها، تبيّن خصائص الثّقافة التي يأخذ بها، وهي تبني الفكر النّقديّ، وخصوصاً لأنّها تمتلك الرّكائز التي يقوم عليها ذلك النّمط من الفكر، الذي "ينبني على قواعد التّحليل،الذي يثير بواعث التّساؤل، ويضع طرائق ملائمة لتحقيق تفسير وإدراك الظّواهر التي يبحثها"، فتنير تلك العلوم أذهان النّاس، وتفتّح مداركهم على آفاق التّطوّر، وتهيّئهم لامتلاك ناصية التّفكير التّحليليّ، ليبنوا طرائق الاتّصال مع سائر الأشخاص، وإن درس الباحثون في العلوم الإنسانيّة التّجربة البشريّة، فإنّهم لأموا في دراساتهم التي أنجزوها بين "البعد التّاريخيّ والواقع الحاليّ"، حيث تتطلّب هذه الدّراسة تقييم وتفسير  التّجربة البشريّة التّاريخيّة، وتحليل النّشاط البشريّ الحاليّ للتّمكّن من "فهم الظّواهر البشريّة، ووضع خطوط عريضة للتّطوّر البشريّ"، فيدقّق في العلوم الإنسانيّة في الظّواهر البشريّة، حيث يبحث في الأسس والقواعد، التي تقوم عليها تجارب وخبرات النّاس.

تحقّق في نطاق العلوم الاجتماعيّة، تطبيق قواعد المنهج العلميّ "Sientificmethod"، حيث كانت تتّبع طرائق علميّة دقيقة في دراسة الظّواهر الإنسانيّة، وقد أدّت الأبحاث الجارية في نطاق العلوم الاجتماعيّة، إلى دراسة أنشطة الإنسان داخل المجتمع، بينما كانت الأبحاث في العلوم الإنسانيّة، تدرس الإنسان نفسه، وتبحث في ثقافته، بغضّ النّظر عن خصائص المجتمع الذي يعيش فيه، وكانت تتّبع  في أبحاث تلك العلوم الاجتماعيّة، نهج الطّرق الكمّيّة "quantitativemethod"، والطّرق الكيفيّة "Quantita qualitative method"، وقد كان يندرج في عدادالطّرق الكيفيّة، تحقيق المقابلات والنّقاشات والملاحظات المسجّلة للعمليّات وتحليل المضمون، فكان يعتمد في تنفيذ ذلك البحث الكيفيّ "دراسة وقراءة البيانات والأحداث بأسلوب غير كمّيّ"، حيث لا يتم تحويل البيانات إلى أرقام كما في حالة البحث الكمّيّ، وإنّما يتمّ "الحصول على النّتائج من واقع ملاحظة وتحليل الأحداث، والمواقف والصّور والوثائق والاتّصالات اللّفظيّة، وغير اللّفظيّة"، وأمّا الطّرق الكمّيّة، فإنّه يستخدم فيها الأساليب الرّياضيّة في إجراء الأبحاث، فهي "علم التّمثيل الرّياضيّ لمشاكل عمليّة"، وتدرس في البحث الكمّيّ "الأسباب والحقائق في العلاقات بين المتغيّرات حتّى يمكن تفسير علاقات السّبب والنّتيجة بين هذه المتغيّرات، ويصبح من الممكن التّوصّل إلى تنبّؤات دقيقة بخصوص الظّواهر محلّ الدّراسة"، وقد هيّأت تلك المعرفة التي أتاحت تحقّقها أبحاث العلوم الاجتماعيّة، إدراك أنّ "العلاقات بين المتغيّرات يمكن تعميمها كما يمكن التّنبّؤ بها في المجالات أو مجتمعات البحث المشابهة"، فكان البحث الكمّيّ يهدف إلى "اختبار النّظريّة بأسلوب قياسيّ من خلال ثبوت أو عدم ثبوت صحّة الفرضيّات، حيث يعمل الباحثون بأسلوب قياسيّ "Deductively"، بينما يعتمد البحث الكيفيّ على استخدام الطّريقة الاستقرائيّة "Inductive method"، في تنفيذ الأبحاث في نطاق أفرع العلوم المتنوّعة.

تحدّدت تلك الميادين التي تجرى فيها أبحاث العلوم الاجتماعيّة، والعلوم الإنسانيّة، حيث وضعت الأسس التي ينهض عليها هذان المصطلحان، إلّا أنّه على الرّغم من ذلك التّحديد الذي ضبط به، مفهوم كلّ من هذين المصطلحين، فقد كان يحدث في أحايين كثيرة الخلط واللّبس بين مصطلحي العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة، إذ كانت الموضوعات والمسائل التي تبحث في ميادين فروع تلك العلوم، هي مشتركة فيما بينها، فكان يقع التّداخل والخلط بين تلك الدّراسات والأبحاث، التي كانت تجرى في نطاق هذين النّمطين من العلوم.

كانت العلوم الاجتماعيّة أسبق إلى الظّهور من العلوم الإنسانيّة، وقد اعتقد كثير من الباحثين أنّ العلوم المتّصلة بالظّواهر الإنسانيّة قد "ظلّت موسومة بالخلط والتّداخل، ممّا صعّب تحديدها وتصنيفها"، وقد سعى العديد من المفكّرين إلى أن يوجد المقاييس، ويضع المعايير، التي يضبط بها معاني ومفاهيم هذين الصّنفين من العلوم، وهما العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة، حيث ذهب أحد المفكّرين إلى القول أنّه "إذا كانت العلوم تعنى بالظّواهر التي تنشأ من الحياة الاجتماعيّة للإنسان كالاقتصاد، والقانون والسّياسة فهي علوم اجتماعيّة"، وقد سعى ذلك المفكّر إلى أن يوضّح المعاني التي يشتملها هذان المصطلحان، حيث اشترط في نشوء العلوم الاجتماعيّة، ألّا تتناول إلّا "ما هو مشترك بين جميع أفراد المجتمع وفئاته، أمّا إذا كانت العلوم تتناول ما يعتبر ظواهر فرديّة تنبثق من سلوك الأشخاص كأشخاص، فهي علوم إنسانيّة مثل الظّواهر التي يبحثها علم النّفس في الغالب والفلسفة"، وقد اعتقد أنّ العلوم الاجتماعيّة تعنى بالدّراسات التي تهتمّ "بالمؤسّسات والنّظم الاجتماعيّة القائمة في الوسط الاجتماعيّ بالذّات، مع ما يترتّب على هذا الاهتمام من عناية بتكوين الأطر والفعّاليّات البشريّة للقيام بنشاط مهنيّ معيّن كالقضاء، والمحاماة، والإدارة"، بينما كانت العلوم الإنسانيّة تنشأ في نطاق عامّ وواسع، من دون أن تتحدّد بمجتمع معيّن، حيث تكون النّتائج التي تستخرج منها، عامّة في شمولها النّاس كلّهم، من دون أن تنحصر في مجتمع على حدّته، أو أن تخصّ شخصاً معيّناً بمفرده.

ملاحظة: سنذكر بالتّفصيل في خاتمة سلسلة هذه المقالات، المصادر التي لها صلة بموضوع هذا البحث.

التعليقات


إضافة تعليق