مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (113)

سنة النّشر 2009

اهتمّ المؤلّفون الموسيقيّون الجادّون، والباحثون والمفكّرون العرب بمعالجة موضوع الاقتباس من التّراث الموسيقيّ، والاستفادة منه، وقد ناقش المفكّر فؤاد زكريّا أولئك الذين يتشبّثون بالأعمال الموسيقيّة الشّعبيّة، والذين ميّزهم عن أولئك الأشخاص الذين يروّجون دعاوة الأخذ بالتّراث الموسيقيّ القديم، رافعين شعار الحفاظ على القوميّة في ممارسة النّشاط الموسيقيّ الإبداعيّ، حيث ذكر: "وأمّا الرّأي الآخر، الذي يبدو متعارضاً مع دعوتنا إلى اقتباس الأساليب الغربيّة، فيتقدّم به مفكّرون تقدّميّون، ينادون بدعوة مشابهة في ظاهرها للدّعوة السّابقة، ولكنّها في مرماها وجوهرها مناقضة لها_ تلك هي دعوة الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ. ونقول إنّ هذه الدّعوة مشابهة في ظاهرها لما يدعو إليه المحافظون من تمسّك بالقالب الشّرقيّ القديم بوصفه هو القالب "القوميّ" فالفنّ الشّعبيّ بدوره فنّ مصطبغ بالصّبغة المحلّيّة، نابع من ظروف مجتمع بعينه. ولكنّ جوهر الدّعوة إلى التّمسّك بالفنّ الشّعبيّ تناقض فكرة القوميّة، إذ أنّها لا تبنى على اعتقاد راسخ بأنّ إنتاج شعب معيّن لا يفهم إلّا في الدّائرة التي نتج خلالها، بل إنّها تنطوي على إيمان بأنّ أيّ فنّ شعبيّ، مهما كانت صبغته محلّيّة، يمكن أن ينقل ويفهم ويقدّر على نطاق أوسع كثيراً من نطاقه المحلّيّ، فالفنون، مع كونها شعبيّة، هي في حقيقة الأمر عالميّة، أو إنسانيّة: فالفنّ الذي يخلقه شعب معيّن، ويصبغه بصبغته، قادر على التّأثير في كلّ الشّعوب الأخرى. ولا جدال في أنّ هذه النّظرة إلى الفنون الشّعبيّة أصدق من نظرة المحافظين، الذين يبالغون في تقدير أهمّيّة "الطّابع القوميّ".

أثبت المفكّر فؤاد زكريّا أحقّيّة الفنّان في تناول الفنون الشّعبيّة، ومعالجتها بأسلوب فنّيّ يعتمد أسس العلوم الموسيقيّة، ولكنّه حذّر من تلك المعاني الثّاوية في أعطاف تلك الفنون، إذ قد تناقض وتخالف تلك الأفكار، التي يقصد الفنّان أن يعبّر عنها في عمله الموسيقيّ الذي يؤلّفه، وقد صرّح برأيه في طبيعة الفنّ الشّعبيّ، إذ قال: "والحقّ أنّ التّعارض بين ما ندعو إليه من دراسة للأساليب الغربيّة، وبين الدّاعين إلى الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ، ليس تعارضاً شديداً، بل إنّ ما نرمي إليه هو في حقيقة الأمر محاولة لتصحيح معنى الرّجوع إلى الفنّ الشّعبيّ في مجال الموسيقا، ذلك لأنّ دعاة فكرة الفنّ الشّعبيّ يبلغ بهم التّحمّس حدّاً يجعلهم في بعض الأحيان يخطئون فهم الفكرة ذاتها. فالفنّ الشّعبيّ تنعكس عليه دائماً مختلف الأحداث التي مرّ بها الشّعب، فيكون سجلّاً صادقاً يصوّر تاريخ الشّعب في تطوّراته وتقلّباته. والذي لا شكّ فيه أنّ تاريخنا الشّعبيّ الطّويل كان في معظم فتراته تاريخ الظّلم والاضطهاد اللذين ظلّ شعبنا يعانيهما حتّى الأمس القريب. حقّاً إنّ الكفاح ضدّ هذا الاضطهاد لم ينقطع، غير أنّ تعاقب مظاهر الاستبداد واحداً بعد الآخر لم يترك للشّعب فرصة في ممارسة تجربة الحرّيّة والتّغنّي بها في فنونه. وانعكس ذلك على أوضح صورة ممكنة في موسيقانا الشّعبيّة، فأصبحت زاخرة بمعاني الذّلّ والخضوع، وانعكست المعاني على الألحان فإذا بها حزينة باكية، لا تقبل على الحياة بقدر ما تندب حظّها فيها".

التعليقات


إضافة تعليق