مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (111)

سنة النّشر 2009

إنّ تلك الحفلة التي أدّيت فيها أعمال الموسيقار صلحي الوادي، لقيت إقبالاً كبيراً عليها من أفراد الجمهور، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان أنّ المثقّفين والأشخاص المستنيرين في الوطن العربيّ، يهتمّون بتذوّق المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة التي يؤلّفها الفنّانون الموسيقيّون العرب، وإن كان بحسب اعتقاد الموسيقار عزيز الشّوان، توجد فئة من النّاس، لا ترغب في أن تبذل الجهد الذي يهيّئها لتذوّق تلك الأعمال الموسيقيّة الجادّة تذوّقاً أمثل، حيث قال: "والمثقّفون الواعون لا ينكرون مجهودات المؤلّفين الدّارسين في عصرنا هذا... فهناك هوّة شاسعة بين الفنّ الشّائع أو الدّارج أو القديم وبين فنّ المجدّدين، ولا يرجع السّبب في وجود هذه الهوّة إلّا لتكرار القديم المملّ، والإصرار على زرعه في عقول ووجدان الفئة المتعلّمة من المجتمع (وهم بالتّأكيد لم يبلغوا مرتبة المثقّفين). ومن ناحية أخرى فلم يعد تقدير الصّفوة للمؤلّفات الموسيقيّة الجديدة القائمة على أسس علميّة، تؤثّر في رأي الغالبيّة العظمى من فئات الطّبقات الصّاعدة، التي تبحث عن المتعة السّهلة التي لا تتطلّب التّركيز والإصغاء أو التّفكير. ومثل هؤلاء لا يفكّرون قطعاً في تثقيف أنفسهم".

كثيراً ما نسبت أعمال موسيقيّة تافهة سخيفة إلى جملة روائع الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي أقحمت في عدادها تلك الأعمال السّاقطة، وحدّد الباحثون والمؤلّفون الموسيقيّون أنفسهم، تلك الشّروط التي يتوجّب تحقّقها ضمن العمل الموسيقيّ كي يوسم بأمارة الفنّ، وقد أدلى الموسيقار عزيز الشّوان برأيه في موضوع تعيين الوسيلة المثلى إلى تمييز العمل الموسيقيّ الفنّيّ، من تلك الأعمال الموسيقيّة التي لا تنضوي إلى نطاق الفنّ الموسيقيّ، إذ ذكر: "وهل هناك شروط أو مواصفات إذا توفّرت أصبح الشّيء فنّاً؟. وللإجابة على هذا السّؤال علينا أن نفرّق بين ما هو فنّ وما هو ليس بفنّ، أو ما كان على هامش الفنّ. ولزيادة التّأكيد نكرّر إنّ ما يدخل في مجال الفنّ هو العمل الموسيقيّ الذي له قالب واضح المعالم، وله تصميم إنشائيّ بحيث تكون له بداية ووسط ونهاية، كما في الحركة الأولى من قالب الصّوناتا، وبالتّالي السّيمفونيّة والكونشيرتو أي به عرض ونماء وتلخيص، وبحيث لا يسبق أحد هذه الأقسام قسم آخر، إنّه النّظام المنطقيّ لسرد أيّ موضوع، كما وأنّ ارتباط الأقسام ببعضها وارتباطها جميعاً بالموضوع أمر مهمّ للغاية".

لم يخامر اليأس والقنوط نفوس المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين في الوطن العربيّ، حيث واصلوا دأبهم في تنفيذ مهامّهم الفنّيّة الجليلة، التي تواكب مساعي سائر أبناء الأمّة العربيّة في تحقيق تطوّر كافة أوجه الحياة في الأقطار العربيّة، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان وجوب اعتماد الفنّانين الموسيقيّين الجادّين العرب، أن يرتقوا بالذّائقة الفنّيّة عند كلّ من أفراد الشّعب العربيّ، إذ قال: "وإذا كانت تحدث في مجتمعنا في هذه المرحلة إصلاحات اقتصاديّة واجتماعيّة، أفلا يجب أن يحدث مثلها في الفنّ؟ أليس مطلوباً من الأديب والفنّان أن يغيّرا مفاهيم الشّعب ليرتقى بذوقه وإدراكه؟ إنّه من واجبهما أن يناضلا في سبيل إقناع من لا يريد أن يقتنع بما أهو أفضل وأجدى في سبيل فتح النّوافذ والأبواب المغلقة، ليدخل النّور إلى عقول النّاس فيرتقي الوعي ويتقدّم المجتمع. إنّ عظمة الشّخصيّة الفنّيّة تنحصر في قدرتها على تغيير مفاهيم المتلقّي وتوسيع أفق مداركه الفنّيّة. كما وأنّ ارتقاء الفنّ هو أقصى اختبار يدلّ على حيويّة كلّ حقبة من تاريخ شعب ما".

التعليقات


إضافة تعليق