مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (110)

سنة النّشر 2009

كان النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ أيضاً ردّاً بليغاً حصيفاً، أجاب به المؤلّفون الموسيقيّون الجادّون في الوطن العربيّ، على ذاك الجدال الذي ثار بين النّاس في شؤون الموسيقا العربيّة، من دون أنّ يقلّل ذلك الرّدّ الذي جاء في صورة المؤلّفات الموسيقيّة الجادّة، أهمّيّة الشّرح النّظريّ والتّحليل الفكريّ الرّفيع، اللذين خاض غمارهما المؤلّفون الموسيقيّون، والمفكّرون والبحّاثة العرب، حيث تضافرت تلك الجهود التي بذلوها جميعهم، في تبصّرهم في شؤون أحوال النّشاط الموسيقيّ في الوطن العربيّ، وقد طرح على الموسيقار صلحي الوادي مسألة ممارسة الفنّان الموسيقيّ عمليّة التّأليف الموسيقيّ، وقد ارتأى أن يستبدل بإجابته النّظريّة على ذلك الموضوع الفنّيّ، بتقديم جواب عمليّ موسيقيّ إبداعيّ، يبيّن فيه رؤيته في الطّريقة التي يتوجّب أن تمضي فيها عمليّة ذلك التّأليف الموسيقيّ، وقد كان هذا الجواب العمليّ على سؤال نظريّ طرحه عليه أحد الصّحفيّين، وقد مهّد لتقديم تلك الأعمال الموسيقيّة في حفل موسيقيّ، بكلمة قال فيها: "سؤال طرحه عليّ صحفيّ شابّ مؤخّراً، كان بإمكاني الإجابة عليه بمحاضرات مطوّلة حول ربع الصّوت، والمقامات وافتقار ما سمّاه هو "بالموسيقا السّائدة" إلى عناصر هامّة في التّركيب الموسيقيّ، لا أقلّها انعدام وجود الانسجامات الصّوتيّة (HARMONY) والتّشابكات اللّحنيّة (COUNTERPOINT) والتّوزيع الأوركستراليّ (ORCHESTRATION) والهندسة الشّكليّة (FORM)، كلّ هذه مواصفات موسيقيّة إن فقدت في أيّ موسيقا، فإنّ هذه الموسيقا تبقى ناقصة ومشوّهة ولا يمكن أخذها مأخذ الجدّ. فكّرت بسؤال هذا الشّابّ وقرّرت أن أقدّم حفلاً لأعمال لحّنتها مبنية على مفهومي الشّخصيّ لما يجب أن تكون عليه موسيقانا عربيّة، قوميّة، علميّة وإنسانيّة، وتتحدّث لهجة العصر. لا أدّعي أنّني وفي هذه الموسيقا قد حقّقت مفهومي هذا، أو أيّ جزء منه، لكنّني أقدّم هذه الموسيقا كتجربة ذاتيّة وشخصيّة، فإن لقيت الرّفض فرجائي أن يكون هذا الرّفض آتياً من آذان مدركة وصاغية وناقدة. أمّا إن لقيت بعض الاستحسان فالشّكر يعود إلى الأساتذة كونستانتين بزرودنوف ورسيم عبد الله يف وسنثيا الوادي، الذين بذلوا جهداً جبّاراً لترويض فوضويّة الصّفحات الموسيقيّة التي وضعتها أمامهم".

إنّ هذه الكلمة التي قدّم بها الموسيقار صلحي الوادي تلك الحفلة التي عزفت فيها مؤلّفاته الموسيقيّة، تبيّن رؤيته الفنّيّة النّافذة إلى ذلك الأسلوب الذي يجب أن يتّبعه الفنّانون الموسيقيّون العرب، في تأليف الأعمال الموسيقيّة الجادّة، وقد تحدّثت عن هذه الحفلة في مقالة نشرتها في جريدة تشرين، وقد ضممتها إلى كتابي الذي نشرته العام الفائت، وهو كتاب قطاف المعازف، وكان ذلك الجواب العمليّ الذي قدّمه الموسيقار صلحي الوادي، بليغاً وفصيحاً في تبيين السّبيل التي يتوجّب أن ينتهجها الفنّ الموسيقيّ في البلاد العربيّة.

التعليقات


إضافة تعليق