مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (109)

سنة النّشر 2009

نفى المفكّر فؤاد زكريّا أن يكون متحاملاً على الإنسان العربيّ، الذي لم يخصّ ذلك الإنسان وحدَه، بإنحاء تلك اللّوائم على الذين يتسبّبون بإحداث ذاك التّقصير في تنمية الذّائقة الفنّيّة عند الإنسان العربيّ، حيث ذكر المفكّر فؤاد زكريّا: "ولست أرمي من ذلك إلى أن ألوم جمهور المستمعين وحدهم، ففي الحقّ أنّ طبيعة الألحان التي تقدّم إليهم مسؤولة إلى حدّ بعيد عن طريقة استماعهم إليها، والقالب الذي تتّخذه تلك الألحان بما فيه من سعي إلى إرضاء المستمع إرضاء رخيصاً، هيّناً، سريعاً، هو الذي أدّى إلى ضياع القدرة على الاستماع الهادئ العميق لدى الجمهور المتذوّق للموسيقا الشّرقيّة. وهكذا يبين لنا، من العرض السّابق، أنّ عناصر اللّغة الموسيقيّة الأربعة تتّخذ في الموسيقا الشّرقيّة صورة هزيلة فيها كثير من العيوب، بل إنّ من هذه العناصر ما لا يتمثّل في تلك الموسيقا على الإطلاق، وقد يرى القارئ في هذا النّقد شيئاً من القسوة، غير أنّ القسوة تظلّ دائماً مستحبّة طالما أنّ فنّاً أساسيّاً كالموسيقا يظلّ على هذه الحال من التّخلّف، بل من البدائيّة. أمّا من يرى فيه شيئاً من التّجنّي فلا أدعوه إلّا إلى أن يفكّر في هذه التّحليلات بطريقة علميّة موضوعيّة، وأن يدع جانباً كلّ العوامل الانفعاليّة الذّاتيّة، وعندئذ فمن المحتمل إلى حدّ بعيد أنّه سيلمس هذه النّقائص بنفسه، ويساهم بدوره في بذل الجهود لتلافيها".

إنّ تلك الحال الوضيعة التي آل إليه مصير الموسيقا العربيّة، لفتت انتباه المفكّر فؤاد زكريّا الذي بيّن مكامن الوهن فيها، وعلى قدر اتّسام نقده وتحليله الفنّيّين بالدّقّة والصّراحة، فلا بدّ من أن يكون حديثه الذي جلا فيه عن أسباب تردّي تلك الموسيقا، مؤلماً وموجعاً، حيث كان باعث ذاك الإيلام تمثّل في صدق محبّته، ومضاء عزيمته على تحقيق النّهوض بأحوال الموسيقا العربيّة، وقد حضّ النّاس دائماً على اتّباع نهج التّفكير المنطقيّ الصّائب في معالجة شؤون الفنّ الموسيقيّ في الأقطار العربيّة.

التعليقات


إضافة تعليق