مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (108)

سنة النّشر 2009

بلغ المفكّر فؤاد زكريّا في سرد أقواله عن شؤون الموسيقا في بلاد المشرق، إلى إدراك ضالته المنشودة التي تمثّلت في تحديده العنصر الرّابع المفقود في قوام الموسيقا الشّرقيّة، التي اكتملت بغياب ذاك العنصر الأخير أسباب افتقادها إلى أسس الفنّ الموسيقيّ القويم، فذكر قائلاً: "والعنصر الأخير، وهو القالب أو الصّورة، يكاد يكون مفقوداً بدوره"، ثمّ ما لبث أن وضّح تأثير غياب ذاك القالب الموسيقيّ في اعتلال الذّائقة الفنّيّة عند الإنسان الشّرقيّ، إذ ذكر: "فالمستمع الشّرقيّ يبحث دائماً عن النّشوة العاجلة، وهو الطّرب المستمرّ في الألحان. إنّه لا يبذل جهداً في الفهم أو التّعمّق: فكلّ ما يسمعه بسيط، سطحيّ، وكلّ ما يقدّم إليه سهل الهضم، بل إنّ الفنّان الذي يطربه يقدّم إليه في كلّ لحظة ما يبعث الاكتفاء في نفسه. فهو لا يطالبه بالمثابرة على تتّبع لحن طويل إلى نهايته، بل يقدّم إليه اللّحن على أجزاء صغيرة، كلّ منها مكتف بذاته، وكلّ منها وحدة كاملة لها نهايتها الخاصّة، وما على المستمع إلّا أن يترقّب هذه النّهاية التي سرعان ما تأتي إليه فيتمّ رضاؤه، ولكنّ على حساب التّمتّع الفنّيّ الصّحيح".

ارتقى حديث المفكّر فؤاد زكريّا عن تلك المآخذ التي شابت الموسيقا الشّرقيّة، إلى رتبة النّقد الفنّيّ الرّصين، وقد أخذ يحدّد خصائص ذلك التّلقّي الذي يتلقّف فيه الإنسان العربيّ الأغنيات والموسيقا العربيّة، حيث يفتقد أسلوبه في استماعه تلك الأعمال الموسيقيّة العربيّة، إلى آليّة التّذوّق الفنّيّ الصّحيح والقويم، فهو يتقبّلها حتّى من دون أن يعمل فكره فيها، فإن غابت أدنى مراحل ذلك التّفكير عند الإنسان الشّرقيّ في تلقّيه تلك الأعمال الموسيقيّة، فليس في وسع أحد أن يعزو طريقة تلقّي الإنسان العربيّ تلك الأعمال، إلى ذلك الخيار الذي يقع فيه ذوق ذلك الإنسان، وقد وصف المفكّر فؤاد زكريّا ذلك المتلقّي العربيّ، حيث ذكر: "ومن هنا كان ذلك الطّابع الخاصّ الذي ينفرد به المستمع الشّرقيّ: فهو لا يملك القدرة على الاستماع المنتبه الدّقيق، وليست به حاجة إليه، بل إنّه يبدي إعجابه بلا تحفّظ، كيفما شاء، وحينما يشاء، ويستطيع أن يهتف أو يصرخ كما يروق له، فهو ليس بالمستمع الهادئ الرّزين، الذي يحترم الموسيقا ويتابعها بكلّ حواسه إلى أن تنتهي، وعندئذ يبدي إعجابه كما يشاء، وإنّما هو مستمع صاخب، يدأب على التّعليق والمقاطعة، ولا يعرف الاتّزان إليه سبيلاً، وأوضح أمثلة على ذلك، تلك الحفلات الغنائيّة الطّويلة، التي يظلّ المستمعون خلالها في صراخ وهتاف دائمين، ويظهرون رضاءهم في أيّ وقت، وبأيّة كيفيّة، تحلو لهم. ومثل هذا الجوّ التّشنّجيّ الصّاخب هو في الحقّ سبة في وجه الفنّ الصّحيح، وهو إذا كان يصلح لحلقات الذّكر أو حفلات "الزّار"، فإنّه أبعد ما يكون عن مجال الموسيقا، ذلك الفنّ الرّفيع، الذي يبعث في النّفس الهدوء والسّكينة، والذي يفسده أيّ صخب وتشوّهه أقلّ ضوضاء".

التعليقات


إضافة تعليق