مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (107)

سنة النّشر 2009

اعترى الأغنية العربيّة والموسيقا العربيّة خلل بيّن، أفاض المفكّر فؤاد زكريّا في الحديث عنه، حيث أوضح سريان الضّعف في قوام تلك الموسيقا العربيّة، فقال: "وحسبنا أن نشير هنا إلى ما يمكن أن يلاحظه أيّ ذهن مدقّق على معاني هذه الأغنيات من رومانتيكيّة ساذجة، واهتمام مفرط بمشكلة الحبّ يعبّر عن التّعقيدات الجنسيّة التي تعانيها أجيالنا الحاليّة في الشّرق أوضح تعبير، بل يزيد هذه التّعقيدات بالتّنبيه إليها والإلحاح عليها_ كلّ هذا في قالب يغلب عليه الحزن واليأس، ويعكس ما ظلّت شعوبنا الشّرقيّة تعانيه طويلاً من حرمان، وما خدعت به من تزييف لأهداف الحياة، حتّى أصبح محترفو الموسيقا عندنا يتبارون في التّأوّه والتّباكي، وتقاس مكانة كلّ منهم تبعاً لمقدار ما يستطيع استدراره من دموع! فعالمنا الموسيقيّ إذن ينحصر في نطاق ضيّق للغاية، هو نطاق الأغنية، وحتّى في هذا النّطاق الضّيّق لا تؤدّي الموسيقا وظيفتها الصّحيحة على الإطلاق....والخلاصة إذن، أنّنا إذا اختبرنا الموسيقا الشّرقيّة في ضوء العنصر الأوّل من عناصر اللّغة الموسيقيّة، وهو اللّحن، وجدنا أنّها على الرّغم من كونها لحنيّة في أساسها، فإنّها تلجأ في ألحانها إلى أساليب تفقد العمل الفنّيّ جدّته وطرافته المستمرّة، وتضفي عليه طابعاً يبعث في الأذن الخبيرة قدراً غير قليل من الملل. وليس رأينا هذا حكماً ذوقيّاً صرفاً، بل إنّنا دعمناه بتحليل موضوعيّ صرف لطبيعة اللّحن في هذه الموسيقا، تكشف من خلاله عيوبه الأساسيّة".

تابع المفكّر فؤاد زكريّا تحليله الرّصين لأحوال الموسيقا في البلاد العربيّة، مؤكّداً افتقارها إلى العناصر الأساسيّة التي تشكّل قوام الفنّ الموسيقيّ الرّفيع، وقد أثبت أنّ "في عنصر الإيقاع بدوره تظهر الموسيقا الشّرقيّة تخلّفاً واضحاً"، ووالى حديثه عن غياب تلك العناصر الرّئيسيّة، فقال: "أمّا العنصر الثّالث من عناصر اللّغة الموسيقيّة، وهو التّوافق الصّوتيّ، فهو غريب تماماً عن الموسيقا الشّرقيّة"، ثمّ توصّل في بحثه في شؤون تلك الموسيقا الشّرقيّة إلى أن يظهر أنّ "هذه الموسيقا (الشّرقيّة) تسير في تيّار لحني متّصل، يتّصف بالسّطحيّة ضرورة. ذلك لأنّ التّوافق الصّوتيّ هو مصدر عمق الموسيقا الغربيّة: فبفضله تتّخذ الموسيقا عند السّامع ألواناً متجدّدة على الدّوام، ويستطيع المرء أن يكشف فيها_ كلّما أعاد الاستماع إليها_ معاني جديدة، بل إنّه يزداد فهماً لها كلّما ازدادت مرّات استماعه إليها، إذ يتمكّن من تتبّع التّيّارات الخفيّة التي تكمن خلف التّيّار الظّاهر، ويلمس مدى براعة المؤلّف في الجمع بين كلّ هذه التّيّارات في وحدة متكاملة. أمّا الموسيقا الشّرقيّة، فلمّا كانت ذات تيّار واحد_ هو في ذاته ساذج إلى حدّ بعيد_ فإنّ تكرار الاستماع إليها لا يؤدّي إلاّ إلى الملل....لهذا السّبب لم تكن لدينا "كلاسيكيّات" شرقيّة، أعني قطعاً تظلّ قيمتها محفوظة على مرّ الزّمان، كما هو الحال في موسيقا باخ وموتسارت التي مرّ عليها قرنان من الزّمان أو يزيد، ولا زالت تحتفظ بمكانتها إلى اليوم_ بل إنّ من المؤرّخين الموسيقيّين من يؤكّد أنّ تقدير النّاس لها يزداد باطّراد! فموسيقانا الشّرقيّة هي موسيقا "موسميّة"، والأغلبيّة العظمى من مقطوعاتها لا تعيش أكثر من موسم، ثمّ تختفي غير مأسوف عليها، فقد استنفدت أغراضها، وعاشت بقدر ما بذل فيها من جهد!".

التعليقات


إضافة تعليق