مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (106)

سنة النّشر 2009

أخذ المفكّر فؤاد زكريّا في إيراد آرائه، بتحديد ذاك الأسلوب الذي سيمضي فيه في معالجة شؤون النّشاط الموسيقيّ، داعياً إلى أن تشحذ أذهان النّاس، وتتنبّه عقولهم في تبصّر أحوال تلك الأنشطة الموسيقيّة التي تجري في بلاد المشرق، فقال: "من الواضح أنّ هذه الموسيقا (الشّرقيّة) تقف عاجزة تماماً عن التّعبير عن أيّ معنى أو أيّة عاطفة. فالموسيقا الشّرقيّة لا تملك بذاتها أيّ قدرة تعبيريّة، وإنّما تكاد تجربتنا الموسيقيّة كلّها تنحصر في الأغاني وحدها. فإذا بحثت عن موسيقا خالصة، فلن تجد إلّا محاولات بدائيّة قصيرة خفيفة، لا تعبّر عن شيء، وليس لها شأن يذكر بجانب الأغاني، ولا تؤثّر على الجمهور أدنى تأثير، رغم سهولة فهمه لها، إذ أنّها بدون كلمات الأغنية عاجزة تماماً. بل لقد كنّا، حتّى الأمس القريب، نطلق على الموسيقا الخالصة اسماً ذا دلالة عميقة، هو اسم "الموسيقا الصّامتة"! كأنّ الموسيقا بطبيعتها يجب أن تكون كلاميّة لتكون "ناطقة" وكأنّ الموسيقا وحدها فنّ أخرس، وأصواتها المتعدّدة بأسرها "صامتة" إن لم تصاحبها كلمات الأغنية!! ولا جدال في أنّ في اعتماد الموسيقا على الأغنية وحدها هو أوضح مظاهر تأخّرها، إذ أنّ الأغنية بطبيعتها محدودة المجال تكفي الكلمات فيها _في كثير من الأحيان_ للتّأثير على السّامعين، مهما كانت سذاجة الموسيقا التي صيغت فيها. والحقّ أنّ لدينا من الأغنيات ما لا يشيع إلّا بفضل إعجاب السّامعين بألفاظها، أو تقديسها لمعانيها، في الوقت الذي تصل فيه أنغامها إلى أقصى درجات السّذاجة والإملال....فحين نتحدّث إذن عن فنّ الموسيقا الشّرقيّة، ينبغي أن نذكر دائماً أنّ هذا الفنّ لم يصل بعد إلى درجة الاكتفاء الذّاتيّ، وأنّه لا زال فنّاً للأغاني، كما كان الحال في الموسيقا الغربيّة منذ ما يقرب من أربعمائة عام! فنحن نستعين بالألفاظ دائماً في تذوّق الموسيقا، وفي إضفاء معنى عليها، ما دامت موسيقانا الخالصة، إن وجدت، خالية من كلّ معنى، بل إنّ وحدة الهدف بين الموسيقا والكلمات في الأغنية الواحدة تكاد تكون مفقودة، إذ أنّ تلحين الأغنية يصلح لأيّة أغنية إذا اتّفقت معها في الوزن الشّعريّ، ومن الممكن أنّ تحلّ موسيقا أغنية حزينة محلّ موسيقا أغنية مرحة، دون الشّعور بأيّ تنافر بين الكلمات والألحان".

التعليقات


إضافة تعليق