إنّ مستوى التّطوّر الذي بلغه العديد من المجتمعات في العالم، أدّى إلى أن يتغيّر التّعريف الذي تعيّن فيه ظاهرة الأمّيّة، فلم يعد الإنسان غير الأمّيّ محدّداً في اكتسابه مهارات القراءة والكتابة والحساب، بل أصبحت تمتدّ حالة ذلك الإنسان، إلى فهمه النّصوص المقروءة، علاوة على سعيه إلى مواصلة التّعلّم مدى الحياة، إلّا أنّ ظاهرة الأمّيّة المتفشّية في المجتمعات العربيّة، ما زالت تعرّف بحسب المفهوم القديم الذي تخلّت عنه المجتمعات المتطوّرة، إذ ما برحت تبذل في البلاد العربيّة، الجهود في مكافحة الأمّيّة الأبجديّة، وهي تحدّد بعدم القدرة على القراءة والكتابة، حيث يعيّن مفهوم الأمّيّة في البلدان العربيّة، بأنّها تعني الإنسان الذي يبلغ الثّانية عشرة من عمره ولم يتعلّم مبادئ القراءة والكتابة والحساب بلغة ما، ويغاير هذا المفهوم، الرّأي والاعتقاد الذي أخذت به الدّول المتطوّرة في مفهومها لمحو الأمّيّة، حيث ينظر إلى الشّخص الأمّيّ بأنّه عندما يفتقد القدرة على التّعامل بكفاءة مع مهارات القراءة والكتابة والحساب واستعمال التّكنولوجيا الجديدة في العمل، فالشّخص الأمّيّ هو الذي تعوزه القدرة على استخدام القراءة والكتابة والمهارات الحسابيّة بطريقة ملائمة مع مظاهر التّطوّر الذي يصادفه في مجرى حياته، وقد كانت منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة "اليونسكو"، عرّفت الأمّيّة تعريفاً جاء بسيطاً في عبارته الموجزة، حيث ذكرت أنّه" يعتبر أمّيّاً كلّ شخص لا يجيد القراءة والكتابة"، والعديد من البلدان، لا يزال يعتمد هذا التّعريف، الذي يعدّه معياراً رئيسيّاً في إحصاءاته الرّسميّة عن الأمّيّة، لكنّ الآراء السّائدة في الدّول المتقدّمة في تحديد صفة الأمّيّة، تذهب إلى رفضها أن ترفع صفة الأمّيّة عن ذلك الشّخص، الذي يجيد القراءة والكتابة، من دون أن يفهم ما يقرأ ويكتب، فتغيّر تعريف الأمّيّة إذ أضيفت إليه خاصّيّة الفهم، فجاء تعريف الأمّيّة كالآتي: الشّخص غير الأمّيّ هو الشّخص القادر على قراءة وكتابة وفهم نصّ بسيط وقصير، يدور حول الوقائع ذات العلاقة المباشرة بحياته اليوميّة.

واكبت منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة "اليونسكو"، التّطوّر الحاصل في العالم، حيث ذكرت تعريفاً جديداً للأمّيّة، لتؤكّد أهمّيّة موضوع فهم النّصوص المقروءة، فذكرت تعريفها الجديد الذي أوردته آنفاً، وذهبت منظّمة اليونسكو في فترة لاحقة، إلى أن تعرّف الأمّيّة ذاكرة أنّه "يعتبر ليس أمّيّاً كلّ شخص اكتسب المعلومات والقدرات الضّروريّة لممارسة جميع النّشاطات، التي تكون فيها الألفبائيّة (Alphabettisation) ضروريّة كي يلعب دوره بفعّاليّة في جماعته، وحقّق في تعلّم القراءة والكتابة والحساب، نتائج تسمح له بمتابعة توظيف هذه القدرات في خدمة نموّه الشّخصيّ ونمو الجماعة، كما يسمح له بالمشاركة النّاشطة في حياة بلده"، وما برحت تستمرّ الدّول العربيّة على الحدّ من تفشّي ظاهرة الأمّيّة فيها، وقد ورد في إحصائيّة أعدّتها المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم (الألكسو)، أنّ نسبة الأمّيّة في الأقطار العربيّة في عام 2014، بلغت ما يقارب 19% من مجموع السّكّان، بينما بلغ عدد الأفراد الأمّيّين حوالي 96 مليون مواطن، وكانت النّسبة بلغت في سنة 2005 حوالي 35%، وبلغ عدد الأمّيّين 70 مليون مواطن، فكانت هذه النّسبة، ضعف المتوسّط العالميّ في الأمّيّة تقريباً، وما زالت اليونسكو تصنّف المنطقة العربيّة بصفتها "أضعف مناطق العالم في مكافحة الأمّيّة"، وقد كانت تلك البلاد العربيّة قد تدنّت في ذلك التّرتيب عن منطقة أفريقيا.

انخفضت نسبة الأمّيّة في البلاد العربيّة، ممّا يزيد عن 70% في سنة 1970، حتّى بلغت حوالي 35% في سنة 2005، وكانت النّسبة بعيدة عن المعدّلات العالميّة، وقد ازداد أعداد الأمّيّين في البلاد العربيّة من 50 مليوناً سنة 1970، إلى 70 مليوناً في سنة 2005، بينما كانت معدّلات العالميّة انخفضت من 37% سنة 1970، إلى 20% سنة 2000، ومعدّل الأمّيّة في الدّول العربيّة بلغ في العام 2018، 21%، بينما كان المعدّل العالميّ 13,6%، وقد ذكر في بيان أصدرته المنظّمة العربيّة للثّقافة والعلوم (ألكسو) أنّ "من ضمن كلّ خمسة مواطنين عرب هناك واحد لا يمكنه القراءة والكتابة"، وحدّدت أسباب انتشار ظاهرة الأمّيّة بعدم الالتحاق بمؤسّسات التّعليم، والانقطاع المبكّر عن الدّراسة، وقدّر عدد الأطفال الذين يتسرّبون من المدارس، بما يتراوح بين 7 إلى 20% من مجموع الطّلّاب الذين يتلقّون العلم في المدارس، فغدت ظاهرة التّسرّب المبكّر من التّعليم، تزيد من جموع الأمّيّين، واعتبر التّسرّب أهمّ رافد من الرّوافد التي تغذّي منابع الأمّيّة المنتشرة في الوطن العربيّ، وقد كان عدد الأمّيّين في المنطقة العربيّة في عام 2013 بلغ 97,2 مليون شخص من أصل حوالي 340 مليون نسمة، والنّسبة كانت 27,9 في المئة من مجموع السّكّان، وقد ظلّت أعداد الأمّيّين تتزايد بشكل مضطرد بسبب الزّيادة السّريعة في عدد السّكّان، فقد ارتفع عدد الأمّيّين من 50 مليوناً عام 1970 إلى 61 مليوناً عام 1990، ثمّ بلغ 75 مليوناً بحلول عام 2008.

تسعى دول العالم إلى أن تسلك في مدارج التّنمية، وكانت اعتبرت الابتكارات والاختراعات التي تبدعها عقول الأفراد في المجتمعات، هي المؤشّر إلى تحديد مكانة الدّول في سلّم التّنمية، وكان عدد الطّلبات المقدّمة لتسجيل براءات الاختراع في الوطن العربيّ، بلغت رقماً متدنّياً مقارنة بسائر دول العالم، إذ بلغ العدد 8000 طلباً، وهذا الإحصاء يشمل الأشخاص المقيمين في الوطن العربيّ، بالإضافة إلى الأفراد الذي سافروا إلى خارج البلاد العربيّة، وقد بدأت تزداد الفجوة المعرفيّة التي تفصل بين العرب والدّول المتطوّرة، ولعلّ ما يخشى حدوثه، هو بروز الدّلائل على اتّساع تلك الفجوة، وبخاصّة بسبب تدنّي النّسبة المخصّصة من الأموال للإنفاق على تنفيذ البحوث العلميّة في الدّول العربيّة، حيث حلّ ذلك البحث العلميّ في أدنى مستويات قائمة مؤشّرات التّقدّم العلميّ والتّكنولوجيّ، بينما ظلّت تتوارد حكايا نجاح الأفراد العرب في تحقيق فتوحات علميّة، في الدّول الأجنبيّة، التي سافروا إليها،وتعرّف المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة براءة الاختراع بأنّها "حقّ استئثاريّ يمنح نظير اختراع، وبشكل عامّ، تكفل البراءة لمالكها حقّ البتّ في طريقة أو إمكانيّة استخدام الغير للاختراع، ومقابل ذلك الحقّ يتيح مالك البراءة للجمهور المعلومات التّقنية الخاصّة بالاختراع في وثيقة البراءة المنشورة"، فمن مجموع طلبات التّسجيل لبراءات الاختراع في الدّول العربيّة، يوجد ما يزيد بقليل عن الألفين طلباً، قدّمهما مخترعون ومبتكرون مقيمون في العالم العربيّ، وبقيّة البراءات كانت مقدّمة في خارج الدّول العربيّة، ويدلّ عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع دلالة جليّة، على شؤون الابتكار والبحث العلميّ في الدّول العربيّة، التي تعاني غالبيّتها من تردّي مستوى التّعليم العالي وضعف الجامعات فيها.

تضمّن تقرير أصدرته المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة التّابعة للأمم المتّحدة، ملاحظة تدنّي وضعف الثّقافة الحافزة على الابتكار في البلدان العربيّة، وكان خبراء التّكنولوجيا والمعلومات، قد ردّوا ضعف الابتكارات والمخترعات، إلى ثلاثة عوامل أساسيّة، حيث كان أولها ضعف القدرات الماديّة المطلوبة لمباشرة المبتكرين جهودهم وأبحاثهم العلميّة، ثمّ كان ثاني تلك العوامل، غياب البنية القانونيّة والتّشريعيّة التي تسهّل تسجيل براءات الاختراع، وكان آخر تلك العوامل، افتقاد المبتكرين والشّباب في الدّول العربيّة، إلى دعم وتشجيع ومؤازرة مجتمعاتهم المدنيّة، وكانت تعدّدت التّصنيفات العالميّة التي تُعنى بتقييم الجامعات في بلدان العالم، ويعتبر تصنيف THE Times Higher" Education"، أحد أهمّ تلك التّصنيفات، حيث يحسب ترتيب الجامعة، اعتمادًا على مجموعة من المعايير العلمية الخاصّة، فيقوم فريق من خبراء البيانات بتقييم الجامعات المشاركة في التّصنيف حسب 13 مؤشر أداء، تشمل النّطاق الكامل لمجالات الأنشطة الأساسيّة للجامعات، والتي يمكن أن تُختزل في أربع نقاط أساسية هي: "التّعليم، والبحث، ونقل المعرفة، ثمّ المكانة التي تحتلّها الجامعة دوليّاً"، وقد احتلّت الجامعات العربيّة مراكز متأخّرة مقارنة بالدّول الأجنبيّة المتطوّرة، وقد كانت إحدى المؤسّسات التي تعنى بموضوع تقييم التّطوير المهنيّ والدّراسيّ، ذكرت أنّها استندت في تقييمها أوضاع الجامعات، إلى عدّة مؤشّرات، يندرج في ضمنها، السّمعة الأكاديميّة، وموضوع توظيف الطّلّاب بعد تخرّجهم في تلك الجامعة، ثمّ النّظر في مستوى التّدريس والبحث العلميّ في تلك الجامعات، بالإضافة إلى تقييم قدرتها على أن تجذب إليها الطّلّاب الأجانب، بينما ذكرت مؤسّسة أخرى أنّها تعمد ستة مؤشّرات في عمليّة تقييم الجامعات، وهي السّمعة الأكاديمية، وحقيقة صيت الجامعة عند أصحاب العمل، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطّلّاب، وعدد الطّلّاب الأجانب فيها، بالإضافة إلى عدد الأبحاث المنشورة، ومقدار اقتباس الباحثين في دول العالم، من تلك الدّراسات العلمية التي تعدّ في تلك الجامعة.

لم تكن توجد في عام 2006، أيّ جامعة عربيّة ضمن قائمة أفضل "1200" جامعة في العالم، وفي عام 2008 لم تكن توجد أيّ جامعة عربية ضمن قائمة أفضل "500" جامعة في العالم، ثمّ في عام 2010، استطاعت إحدى الجامعات العربية أن تدخل في قائمة أفضل "500" جامعة في العالم، وعلى الرّغم من دخول عدد من الجامعات العربيّة في القوائم المتقدّمة التي تعدّ لتقييم مستويات الجامعات، إلّا أنّ تلك المراكز التي تحتلّها الجامعات العربيّة، لا تدل بدقّة على حقيقة مستوى التّعليم فيها، ولا تبيّن المستوى الذي بلغته في تدريس الطّلّاب العلوم المتنوّعة، والسّبب الذي يدفعنا إلى التّدقيق والتّفكير مليّاً في نتائج ذلك التّصنيف، هو خصائص تلك المؤشّرات التي تعتمدها مؤسّسات تصنيف الجامعات، وسنعود في وقت لاحق إلى مناقشة مؤشّرات التّصنيف المعتمدة في تحديد مستويات الجامعات في العالم.

تعدّدت تلك الأسباب التي أسهمت في أن تحدث في المجتمع ظاهرة الأمّيّة، التي باتت في حقيقتها ظاهرة مركّبة، تسهم عدّة عوامل في أن تنشئها، إلّا أنّنا تبيّنا في حديثنا عن ظاهرة الأمّيّة في البلاد العربيّة، أنّه علاوة على عوامل نشوء تلك الظّاهرة، وقد كنّا ذكرنا بعضها آنفاً، فإنّ أحوال المجتمع والظّروف التي يمرّ بها، تؤثّر تأثيراً مباشراً في معالجة مشكلة تفشّي آفة الأمّيّة، حتّى أصبحت حالة المجتمع ذاته، هي أحد الأسباب التي تسهم في إنشاء واستشراء ظاهرة الأمّيّة، فاتّضح لدينا تعدّد الأسباب، التي تؤدّي إلى استفحال انتشار الأمّيّة عند النّاس، وكثيراً ما كان يجمع بين تلك الأسباب ترابط جليّ، وتآلف متين، حتّى أصبحت معالجة انتشار ظاهرة الأمّيّة، تتطلّب وجود نظرة شاملة تحيط بكلّ تلك الأسباب الواسعة جدّاً، وتقتضي وجود الحلول التي تعالج بها، كلّ تلك الأسباب معاً، من دون أن يجتزأ بمعالجة النّزر اليسير من تلك الأسباب، كي لا يتخبّط النّاس في معالجة تلك الآفة الاجتماعيّة، التي تلحق بالمجتمعات أفدح الأضرار.

التعليقات


إضافة تعليق