مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (105)

سنة النّشر 2009

دأب بعض النّاس في البلاد العربيّة في أن يصنّفوا الأعمال الموسيقيّة التي يتلقّونها، ويفرّقوها في فئات ينعتونها بصفات تنمّ على حقيقة نظرتهم إلى تلك الأعمال الموسيقيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي تحدّث عن النّزعة عند غالبيّة الشّعب العربيّ، إلى إطلاق الأسماء على الفئة التي يضعون فيها الأعمال الموسيقيّة التي تتشابه سماتها متماثلة، حيث ذكر: "نحن العرب نعطي تسمية "موسيقا صامتة" أيّة موسيقا لا يوجد فيها غناء، من هنا تدرك أنّ العرب إجمالاً يعتبرون الموسيقا كلّها غناء، ربّما هم يتلهّون بالكلمات ومعانيها أو بصوت المغنّية، وأحياناً بشكلها كي تكتمل صفة الموسيقا كوسيلة تسلية وترفيه وليس كخبرة روحيّة تمسّ أعماق الذّات، ويجدر أن نذكر أنّ في بعض الحضارات تأخذ الموسيقا صفة الصّلاة، إذ يجلس المستمع صامتاً كما هو في الجامع أو الكنيسة، هذا _ مع الأسف _ لا نجده في الحضارة العربيّة، في الشّقّ الموسيقيّ منها، أعود إلى حين كانت الموسيقا مرتبطة بقصور الخلفاء، فالمستمعون هناك كانوا يتحدّثون في ما بينهم أثناء العزف والغناء، ويبتعدون عن الإنصات الفعليّ للموسيقا، وهذا مثال آخر من هذه الأيّام، قبل فترة قصيرة أقيم في معرض دمشق الدّوليّ مهرجان قيل أنّه لرفع مستوى الأغنية العربيّة، كان بائعو الشّراب البارد يفتحون الزّجاجات لأطفال كانوا يلعبون في الرّدهات، وكانت مكبّرات ومضخّمات الصّوت التي لا تستعمل في الموسيقا الجادّة، تبثّ موسيقا المغنّي بأعلى طبقة صوتيّة، وكان الحاضرون يتحدّثون أثناء الغناء، هذا النّوع من المستمع لا يرى في الموسيقا شيئاً جادّاً، إذ أنّه يكتفي باستذكار أنّ المغنّي الفلانيّ غنّى أغنية أعجبته، وهذا في رأيي نوع من الاستهتار الكلّيّ بالموسيقا".

أنعم مفكّرون عديدون أنظارهم في أحوال الفنّ الموسيقيّ في البلدان العربيّة، وقد عكفوا على أن يحدّدوا الشّروط التي تتمّ بتحقّقها، عمليّة النّهوض بالفنّ الموسيقيّ الجادّ في البلاد العربيّة، وقد رأى المفكّر فؤاد زكريّا أنّ "ليس لدينا في الشّرق فنّ موسيقيّ بالمعنى الصّحيح"، وقد تنبّأ ببصيرته الثّاقبة، بأن تشنّ الحملات المغرضة عليه، ردّاً على ذلك الرّأي الحصيف المنصف الذي ذكره، فآثر المفكّر فؤاد زكريّا أن يتّبع الطّريقة المثلى في إيراد آرائه، حيث سلك نهج المحاججة التي تعتمد سنن التّفكير السّديد، إذ قال: "آثرت أن أقدّم لرأيي هذا أسباباً وحججاً عقليّة خالصة، تقف بجانب العنصر الذّوقيّ وتؤيّده، ورأيت أن ألجأ إلى طريقة التّحليل المنطقيّ الهادئ، حتّى تظلّ مناقشة هذا الموضوع الهامّ منحصرة في المجال العلميّ وحده....فالفارق بين الموسيقا الشّرقيّة والغربيّة ليس فارقاً في النّوع، وإنّما فارق في الدّرجة فحسب. أعني أنّ المقارنة بين نظامي الموسيقا ممكنة بوصفها مقارنة بين نظام قطع شوطاً بعيداً في طريق التّقدّم. ونظام آخر لا يزال يسير في أولى مراحل الطّريق. وكلّ ما يبدو من هوّة شاسعة بينهما، إنّما يرجع إلى عمق تجربة الغربيّين في هذا المضمار، واكتسابهم خبرات تحتاج إلى جهود هائلة ووقت طويل لتحصيلها، أمّا إقحام موضوع "القوميّة" في هذا المجال، فهو دعوى باطلة، سوف نفنّدها خلال بحثنا في هذا القسم".

التعليقات


إضافة تعليق