مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (102)

سنة النّشر 2009

تطرّق المؤلّفون الموسيقيّون العرب في حديثهم عن وقائع نشاطهم الفنّيّ الذي يزاولونه، إلى تبيين الشّروط التي يجب أن يراعي تحقّقها المؤلّف الموسيقيّ في امتهانه العمل الفنّيّ الموسيقيّ، وقد أجمع المؤلّفون جميعهم على نبذ التّفكير في تسخير مؤلّفاتهم الموسيقيّة لجلب المنافع المادّيّة، وقد حذّر الموسيقار صلحي الوادي مرّات عدّة، من الوقوع في مزلّة مقايضة النّشاط الإبداعيّ بتلك العوائد الماليّة، التي قد ترجع على الفنّان الذي يمارس ذلك النّشاط الفنّيّ، وقد دعا الموسيقار عزيز الشّوان أيضاً المؤلّفين الموسيقيّين، إلى أن يتجنّبوا في مزاولتهم عملهم الإبداعيّ، اتّباع نهج تلك المقايضة الماليّة التي تطيح القيم الفنّيّة في تلك الأعمال التي ينتجونها، إذ قال: "إنّ أعظم الفنّانين هم الذين لا يستهدفون المنفعة من إنتاجهم، كأن يجمع ثروة أو يحقّق مجداً أو شهرة أو يحصل على جوائز ومراتب شرفيّة. إنّ الفنّان الأصيل ينتج بدافع التزامه تجاه نفسه وفنّه. إنّه يتكبّد العناء ويتحمّل التّضحيات بهدف إبداع أعمال فنّيّة وجماليّة ذات قيمة، ويؤكّد الموسيقار عزيز الشّوان مناعة الفنّان الأصيل من التّأثّر بإغراءات الشّهرة الضّارّة، التي تتمثّل في سعي الفنّان إلى استرضاء الجمهور الكبير، وهو يعرض في الآن ذاته عن الأخذ بسنن وشرائع الفنّ القويم، فقد قال: "وليست المسألة أن يحقّق الفنّان الشّعبيّة التي ينشدها، لأنّ الفنّان الحقيقيّ يأبى التّملّق ليزداد عدد المعجبين به، فهو يقدّس كرامته وحرّيّته في الإبداع حتّى ولو فقد بعضاً من جمهوره أو المهلّلين".

يدرك الفنّان المبدع إنّه يحتّم على من يتلقّى أعماله الفنّيّة التي يبتكرها، أن يبذل جهداً في تذوّق تلك المبتكرات الفنّيّة، يليق برفعة ذلك الابتكار الذي أتاه ذلك الفنّان، وقد أكّد الموسيقار عزيز الشّوان وثوق الفنّان بقدرة الجمهور الذّوّاق على أن يقيّم ذلك العمل الفنّيّ، الذي يقدّمه ذاك الفنّان، تقييماً صائباً، وقد استشهد بأقوال الكاتب الصّحفيّ أحمد بهاء الدّين، حيث وضّح مبلغ ذلك النّفوذ الذي تمتلكه وسائل الإعلام في التّأثير في أذواق النّاس، فقال الموسيقار عزيز الشّوان: "والجمهور بهذا التّكوين المتباين يتأثّر بالإيحاء ويقاد وراء النّشر الإعلاميّ، والدّعاية البارعة والانتشار المفتعل، ويصدر على الأعمال الفنّيّة أحكاماً عشوائيّة لها بالغ الأثر على مشاعر الفنّان وغزارة إنتاجه، وبالتّالي على حالته الاقتصاديّة والنّفسيّة. غير أنّ الفنّان الذي يكتب الأعمال الكبيرة لا يجهل هذه الحقائق، ويعلم أنّ التّقدير الحقيقيّ إنّما يصدر عن طائفة من ذوي الإحساس المرهف والشّعور الحيّ، هؤلاء هم الذين يستطيعون إدراك ما في العمل الفنّيّ من قيم فنّيّة وجماليّة.... وليست العبرة بما تصل إليه الفنون الهابطة من جذب الشّعب، وكسب أكبر عدد من هؤلاء بما فيها من تطبيل وممالقة للغرائز، وإنّما العبرة بما تستطيع هذه الفنون من استخراج طاقات الشّعب وشحذ هممه للعمل والإنتاج. يقول المفكّر والصّحفيّ الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدّين: تمتلك الدّولة وسائل فعّالة في محو دور الفكر وإضعافه، وهي أجهزة الأعلام الضّخمة من صحافة وإذاعة وتلفزيون، بما يجعلها قادرة على إيجاد المناخ النّفسيّ والعقليّ الذي يؤدّي إلى ذلك، حتّى صار صوت الفنّان الجادّ والفكر المستنير في حجم النّملة، وصار غيرها في حجم الفيل. صار صوت الفنّان الجادّ كصوت من يغنّي في سرادق، في مقابل صوت الدّعاية الصّادر من الإذاعة والتّلفزيون، الأوّل تسمعه مئات والثّاني تسمعه عشرات الملايين. إنّها ملايين في العدد ولكنّها ليست مؤهّلة بعد ثقافيّاً وفنّيّاً واجتماعيّاً لاستيعاب القضايا الفكريّة الأساسيّة، أو الأعمال الفنّيّة الرّفيعة".

التعليقات


إضافة تعليق