مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (100)

سنة النّشر 2009

سلك الموسيقار صلحي الوادي سبل متعدّدة من طرائق الأنشطة الإبداعيّة الفنّيّة الموسيقيّة الجادّة، حيث توزّعت الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة التي ابتكرها في أصناف متنوّعة من ضروب الأنشطة الفنّيّة، فأبدع مؤلّفات موسيقيّة تصويريّة للعديد من الأعمال السّينمائيّة والمسرحيّة، وابتكر أيضاً أعمالاً موسيقيّة استقى موادّ بنائها من الألحان العربيّة، وكان الموسيقار صلحي الوادي تحدّث عن نشاطه الإبداعيّ في تأليف تلك الأعمال الموسيقيّة، إذ ذكر: "في العمل المسرحيّ اخترت ألحاناً ممّا كان يغنّى أثناء الثّورة، جمعتها من شخص من عائلة فوق العادة يسكن في دمر، كان هو يغنّي وأنا أكتب النّوطات. وهذه الأغنيات هي (يا بو عيون اللّويزة) (شدّ الهجن) (الله الله يا مفرّج المصايب) (باني باب أربع بواب) (زيّنوا المرجة) جمعتهم معاً ووضعتهم في عمل موسيقيّ واحد، قدّمه كورال كبير. وكان المرحوم عدنان منيني مدرّب الرّقص في ذلك الوقت، وعزف ضمن الأوركسترا مطيع المصريّ وعبد الفتّاح سكر وتيسير عقيل وغيرهم. سجّلت الكثير من المقطوعات للإذاعة معظمها مبنية على ألحان عربيّة. ويؤسفني أنّها مسحت عن الأشرطة لأنّ البعض رأى أن يستخدم الأشرطة لأغراض أخرى فمسحوها. وليست أعمالي فقط كانت ضحية مثل هذا التّصرّف. فالأمير يحيى الشّهابيّ مدير الإذاعة سابقاً جمع مجموعة رائعة جدّاً من ألحان شعبيّة، من كافّة مناطق سورية بجبالها ووديانها من أقاصيها وأدانيها، بما فيها من تنوّع اجتماعيّ، وأسمعني الأمير يحيى هذه الألحان الجميلة عام 1960، وبالفعل تأثّرت بهذه المجموعة وعانى الكثير كي يجمع هذه الأعمال. وللأسف كان هناك من لا يعرف قيمة هذه الأعمال من مسؤولي الأرشيف في الإذاعة، فمسحوا هذه التّسجيلات جميعها. قرأت شكوى الأمير يحيى الشّهابيّ في صحيفتكم "الثّورة" معترضاً على هذا التّصرّف، وأنا أضمّ صوتي لصوته، وأقول يجب أن يكون هناك لجنة مسؤولة عمّا يمكن إتلافه، وما يمكن أن يكون تراثاً، وهناك أيضاً تسجيلات تلفزيونيّة لمحاولاتنا الموسيقيّة الأولى ولكنّها كلّها أتلفت".

كان مصير تلك المبادرة الفنّيّة الجليلة التي جاءها الموسيقار صلحي الوادي، هو وقوعها في مهالك الضّياع والفقدان، ويمضّ نفس الإنسان ذلك الحيف الذي نزل بالفنّان صلحي الوادي، الذي كان رائداً في صنع مثال بديع قويم في معالجة ذلك التّراث الموسيقيّ العربيّ، الذي بنى من موادّه أعمالاً موسيقيّة فنّيّة جادّة،  وكان حريّ بالأشخاص الآخرين أن يقتدوا به في تحقيقه ذلك الصّنيع العميم، وعلى الرّغم من تلك الخسارة الفنّيّة الفادحة، التي تمثّلت في فقدان ذلك النّتاج الفنّيّ الموسيقيّ الإبداعيّ الذي أنجزه الموسيقار صلحي الوادي، فإنّ الحملات الشّرسة التي تعرّض لها، كان تستند على التّهم الباطلة، التي تمثّل إحداها في الادّعاء بأنّه كان يهمل ويزدري التّراث الموسيقيّ العربيّ، بينما كان الموسيقار صلحي الوادي عندما أنجز المثال الصّحيح القويم، الذي بيّن فيه الطّريقة المثلى التي يجب أن تتناول بها ذلك التّراث الموسيقيّ، كان جزاء عمله الجليل هو النّتيجة التي ذكرها الموسيقار صلحي الوادي، الذي كان ذلك التّصرّف السّديد الذي أتاه في معالجته ذاك التّراث الموسيقيّ، كفيلاً حقّاً بأن يردّ عنه تلك التّهم الباطلة التي أوقعت عليه.

التعليقات


إضافة تعليق