مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (94)

سنة النّشر 2009

إنّ قارئ تلك الكلمات السّابقة التي ذكرها الموسيقار صلحي الوادي، لشدّ ما يكبر ذلك الفنّان، ويعظّم تلك الغيريّة التي دفعته إلى أن يؤثر الآخرين على نفسه، وإنّي تعمّدت ألّا أكتب كلمة الإنصاف بدلاً من اسم تلك الفضيلة وهي الغيريّة، لأنّ صفة الإنصاف انتفت في ذلك السّلوك الذي أتاه، حيث كان مجحفاً بحقّ مؤلّف موسيقيّ كبير، كان النّاس توّاقين دائماً إلى الاستماع إلى مؤلّفاته الموسيقيّة، بل وصل مبلغ هذا الإجحاف إلى حالة الظّلم والحيف، وأمّا ذاك الفنّان الموسيقيّ، الذي كان مجحفاً بحقّه الموسيقار صلحي الوادي، فهو الموسيقار صلحي الوادي ذاته، إذ كان مجحفاً بحقّ نفسه، وهو إن توخّى الحذر من قالة الأشخاص المغرضين الذين يترّبصون به، فهم على أيّة حال قد أطلقوا فعلاً أقاويلهم الفظيعة والشّنيعة التي استهدفت النّيل منه، وذلك التّصرّف الذي بدر من الموسيقار صلحي الوادي، يبيّن التّأثير السّلبيّ الذي تحدثه الأقاويل المغرضة في نفسيّة المؤلّف المبدع، الذي تشنّ عليه تلك الحملات الهوجاء، التي لم يتأت لها أن تحبط مواظبة الفنّان صلحي الوادي على مزاولة نشاطه الفنّيّ الموسيقيّ، فهيهات أن تنال منه تلك الحملات العاتية الشّعواء، التي نتج منها ضّرر كبير بالغ، تمثّل في تأخّر وصول أعماله الموسيقيّة البديعة إلى الجماهير، التي أصيبت بأقسى نكبات الحرمان حدّة، وغرّمت أفدح مصائب الخسران شدّة، بينما لا يتحمّل الموسيقار صلحي الوادي المسؤوليّة مطلقاً، عن تلك المعاناة التي كابدتها تلك الجماهير، وقد كانت الأعباء الفنّيّة الجسام التي تكفّل بالنّهوض بها الفنّان صلحي الوادي، استنفدت قدراً كبيراً جدّاً من جهوده، واستغرقت مدّة تحقّقها وقتاً طويلاً، بيد أنّ تلك الحيويّة التي تفعم بها نفسه، هيّأت له إنجاز تلك المهامّ الفنّيّة الجليلة، وهو رغب في أن يستقطع من هذا الوقت الذي يمارس فيه عمله الفنّيّ الموسيقيّ، برهة تتيح له أن يتفرّغ لتأليف ذلك العمل الموسيقيّ الكبير الذي ذكره في حديثه الذي أوردته آنفاً.

عكف الموسيقار عزيز الشّوان على جلاء تلك المصاعب التي يتعرّض لها في مصر المؤلّف الموسيقيّ، الذي عانى قسوة الحيف الذي ظهر في قسمة العوائد الماليّة، التي ترجع من مزاولة النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، إذ لم يصب سهماً منها قط ذاك المؤلّف، الذي تحدّث الموسيقار عزيز الشّوان عنه قائلاً: "وكم ناضل هؤلاء الرّوّاد من أجل الحصول على مكافأة مادّيّة عن المؤلّفات التي يقدّمونها، فلم تكن لهم أيّ حقوق، بل كان عليهم أن ينفقوا من مالهم الخاصّ لشراء الورق ودفع أجور نسخ كرّاسات العازفين، فبدلاً من أن تدرّ عليهم مؤلّفاتهم شيئاً من الرّزق، كان كلّ عمل يكلّفهم حوالي 150 جنيهاً حتّى يصل إلى مسامع روّاد قاعة الكونسير وهم قلّة. أمّا الآلام النّفسيّة التي يعاني منها هذا العدد القليل من المؤّلفين فكثيرة وعميقة_ فلم تتح لهم أجهزة الأعلام الفرصة المتكافئة مع غيرهم من أنصار العامّيّة، للوصول إلى الجماهير العريضة التي يكتبون لها، ويهبونها فنّهم وعصارة قلوبهم وهي مشغولة عنهم بما هو أدنى بكثير، ويستثنى من هذه الجماهير قلّة قليلة من المثقّفين أو العاملين في نفس الحقل، أو بعض أنصار الثّقافة الغربيّة الذين غالباً ما يعقدون المقارنات بين مؤلّفات المصريّين، وهم ما زالوا في خطواتهم الأولى وبين مؤلّفات العباقرة العالميّين".

التعليقات


إضافة تعليق