مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (91)

سنة النّشر 2009

جلا الموسيقار عزيز الشّوان ذلك الخلاف الذي ظهر في ميدان الفنّ الموسيقيّ، وقد استخدم في طرحه لصورة ذاك الخلاف، عناوين ومصطلحات يشيع ورودها في الحديث عن وقائع المعارك الأدبيّة، وقد أفضى به العرض الذي أتاه، إلى أن يبرّئ النّاس من الأخذ بتلك الدّعاوي الباطلة التي يردّدها أنصار العامّيّة، حيث ذكر: "أمّا الجماهير فبريئة من هذه الأقوال لأنّها ضحية أنصار العامّيّة، الذين ظلّوا عشرات السّنين يلاحقونها بهذا النّوع البدائيّ، حتّى اعتادته وتشكّلت عليه آذانهم ومزاجهم جيلاً بعد جيل، في حين أنّ الجماهير إذا أعطيت أنواعاً أخرى من الفنّ الرّفيع، الذي يهدف إلى رفع مستوى التّذوّق الفنّيّ والتّثقيف، بنفس درجة الإلحاح الذي تبثّ به الأنواع العامّيّة، لتغيّر الوضع تماماً ليس فقط بالنّسبة للجماهير، بل بالنّسبة للفنّانين العاملين في هذا الحقل أيضاً. ودعنا الآن من الجدل الدّائر بين هذه الفئات، لنقول أنّ الموسيقا لغة إنسانيّة عالميّة لا وطن لها ولا حدود جغرافيّة، ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أنّ لتلك اللّغة لهجات إقليميّة ترتبط بحضارة كلّ شعب، وتبرز قوميّته فلكلّ أمّة لغتها وعاداتها وطريقتها في التّعبير بفنونها وموسيقاها، وعلى هذا الأساس فليس أمامنا للوصول إلى مخاطبة العالم بموسيقانا إلّا التّمسّك بالفصحى، لأنّها أكثر حضاريّة من جهة، ولأنّها تعطي للمؤلّف إمكانيّات تعبير لا يجدها في العامّيّة.... ولغة الموسيقا، فحروفها السّبعة لم تتغيّر، إلّا أنّنا ما زلنا لا ننطق بلسان عصرنا الذي تدور فيه عجلة التّقدّم بسرعة مذهلة، وما زلنا واقعين تحت تأثير التّراث التّركيّ من بشارف وسماعيّات وطقاطيق، غير قادرين على خلع هذا المعطف الغريب عنّا، وإحلال لهجتنا المصريّة العصريّة محلّه".

أجمل الموسيقار عزيز الشّوان حديثه عن أحوال الموسيقا الجادّة في مصر، وكان شبّه تلك الموسيقا باللّغة الفصحى في الكتابة الأدبيّة، فعبّر عن مقاساة مؤلّف الموسيقا الجادّة الصّعابَ التي تعترضه في ممارسته نشاطهم الفنّيّ الموسيقيّ، إذ ذكر: "إنّي أقدّم للقارئ بعض المعلومات المختصرة عن تاريخ الموسيقا في مصر، ليقف على مدى ما يعاني أنصار الفصحى في سبيل إرساء قواعد النّهضة الموسيقيّة، وهم ما زالوا يعانون حتّى الآن.... واستطاعوا في النّهاية إلغاء الحظر الذي كان مفروضاً على أعمالهم، عن طريق تقديمها في عواصم الدّول الصّديقة في أوروبا، وتسجيلها هناك وبالتّالي الحصول على الاعتراف بهم، وجدير بالذّكر أنّ بعض أعمال هؤلاء المؤلّفين نالت نجاحاً في الخارج قبل أن تعرف في بلادهم. وأخذ أوركسترا القاهرة السّيمفونيّ يقدّم تلك الأعمال على فترات متباعدة، أو يحشرها كلّها في برنامج واحد في نهاية الموسم لمجرّد إخماد ثورة المؤلّفين المصريّين، وكتم صرخاتهم على صفحات الجرائد، وكان الأجدر بالمسؤولين عنه أن يعطوا لتلك المؤلّفات مكان الصّدارة في برامج الأوركسترا الوحيد في مصر، والذي تنصّ لائحته بصراحة على أنّ أهمّ أهدافه تشجيع ونشر تلك المؤلّفات، هذا بخلاف ما كان يوضع في طريقها من عقبات في شكل لجان تفحص الأعمال، لتقرّر إذا ما كانت دون المستوى أو فوقه، ولست أدري إلى الآن عن أيّ مستوى كانوا يتحدّثون، وإنّما ما أعرفه جيّداً إنّ تلك اللّجان كانت مغرضة".

التعليقات


إضافة تعليق