مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (86)

سنة النّشر 2009

بيّن المفكّر فؤاد زكريّا أسّ البلاء الذي يبرز في امتناع بعض الأفراد عن تقبّل الأعمال الموسيقيّة الجادّة، وعزا سبب سريان تلك العلّة في نفوسهم، إلى ضحالة الثّقافة عندهم، وضعف تهيُّئِهم لتقبّل تلك المؤلّفات الموسيقيّة العالية المرتبة، فأخذ يفسّر سبب إعراض بعض النّاس عن تذوّق تلك الأعمال الموسيقيّة الجادّة، حيث قال: "وإذن فالسّبب الحقيقيّ ليس هو الطّابع القوميّ، وإلّا لظلّت الموسيقا محصورة في حدودها القديمة لا تتعدّاها، وإنّما السّبب الحقيقيّ افتقار إلى الخبرة فحسب ولنضرب لذلك مثلاً: فمن المعروف أنّ ذوي الثّقافة القاصرة يجدون متعة كبرى في الرّوايات البوليسيّة ذات الأفكار السّطحيّة، ولا يستطيعون مطلقاً أنّ يستسيغوا المؤلّفات أو الدّراسات الأدبيّة العميقة. ولكنّ هل يعني أنّ مثل هذه الدّراسات تنتمي إلى عالم غير عالمهم، وأنّها ستظلّ إلى الأبد غريبة عنهم؟ لا شكّ أنّ في هذا مغالطة واضحة، وأنّ في وسع أيّ شخص محدود الثّقافة أن يهضم أعمق الدّراسات إذا لجأ إلى حلّ بسيط، هو أن يعمّق ثقافته، وعندئذ سيجد متعة كبرى في فهم الكتابات العميقة، ويدرك مدى قصور تجربته القديمة. والحال كذلك في الموسيقا: فمشكلتنا بإزاء أرقى أنواع الموسيقا الغربيّة ليست مشكلة طابع قوميّ يمنعنا من فهمها، وإنّما هي مشكلة افتقار إلى الخبرة والتّجربة، ولو توافر هذا الشّرط لأمكننا أن نستمتع بكلّ أنواع الموسيقا، دون أن يكون لقوميّتنا أدنى تأثير. أمّا القائلون بأنّ الشّرق شرق والغرب غرب، وبأنّ طريقتهم في التّأليف ستظلّ إلى الأبد غريبة علينا، فما أشبههم بمربّ يرى أبناءه مدمنين على القراءة السّطحيّة، فلا يحاول نصحهم بتعمّق ثقافتهم، بل يتركهم وشأنهم، مكتفياً بالقول إنّ ذلك هو نوع الثّقافة الذي يلائم طبيعتهم، وهذا بلا شكّ حلّ رجعيّ للمشكلة، ولذا وصفت فئة دعاة القوميّة بأنّها فئة رجعيّة محافظة".

التعليقات


إضافة تعليق