مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (85)

سنة النّشر 2009

شاعت بين النّاس في المجتمعات العربيّة، أقاويل كثيرة تذهب فحاويها إلى تأكيد عدم استساغة أذن الإنسان العربيّ الأعمال الموسيقيّة الفنّيّة الجادّة، التي أبدعها عباقرة الفنّ الموسيقيّ الرّاقي، وقد ذاعت تلك الدّعاوى للسّعي إلى إطاحة الجهود، التي تبذل في نشر الأعمال الموسيقيّة الجادّة في البلاد العربيّة، وكي لا تستبدل بتلك الأعمال الموسيقيّة العربيّة الهابطة المستوى، ولا يشيع ذاك الأسلوب القويم في تأليف الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي استهدفتها تلك الأقاويل المغرضة في صبّ حملتها الشّنعاء عليها، وقد فنّد المفكّر فؤاد زكريّا تلك الأقاويل الخاطئة، إذ قال: "وأمّا المغالطة، فتتمثّل في نشر الفكرة الباطلة، القائلة إنّ الأسلوب الغربيّ في الموسيقا غير مفهوم بالنّسبة إلى الأذن الشّرقيّة. وتلك الفكرة التي يردّدها إلى اليوم كثير من المهيمنين على مصير الموسيقا في بلادنا، قد أضرّت بفنّنا الموسيقيّ، وبأذواق مستمعينا أشدّ الإضرار، ولهذا فسوف أردّ عليها ردّاً مفصّلاً. ولأبدأ بأن أقول إنّ ظاهر الأمور يوحي بشيء كهذا الذي يقولونه: أعني أنّ معظم المستمعين المصريّين، والشّرقيّين عامّة، لا يتذوّقون الموسيقا الغربيّة الرّاقية، بل لا يستسيغونها على الإطلاق، ويحكمون على أرفع سيمفونيّاتها بأنّها "ضجيج" وعلى أجمل أغنياتها بأنّها "صراخ" _هذا حقّ، وتلك بالفعل ظاهرة ماثلة في الواقع الشّرقيّ بوجه عامّ. ولكنّ هل يعني ذلك أنّ تلك الموسيقا غريبة تماماً عن آذان المستمع الشّرقيّ، وأنّها لغة لا يفهمها إلّا النّاطقون بها وحدهم، يستغلق فهمها على غيرهم، وليس لها من تأثير إلّا عليهم؟ تلك بلا شكّ فكرة باطلة، على الرّغم من عدم استساغة الأغلبيّة العظمى من الشّرقيّين للموسيقا الغربيّة".

اتّبع المفكّر فؤاد زكريّا أسلوب المحاججة المنطقيّة والنّقاش الفكريّ القويم، الذي عرف بالأخذ به في كافّة مؤلّفاته الفكريّة والفلسفيّة القيّمة، وهو في معالجته ذاك الشّأن الفنّيّ الموسيقيّ الجليل، لم يشذّ عن ذاك الأسلوب الذي كان ينتهجه دائماً، حيث عمّد إلى أن يدحض تلك المغالطة التي تحدّث عنها، حيث قال: "وقبل أن أوضّح سبب بطلان هذه الفكرة_ أودّ أن أمهّد لذلك بالكلام عن ظاهرة أخرى، مستمدّة من واقعنا الشّرقيّ ذاته. فنفس هذا الواقع، الذي لا يهضم الموسيقا الغربيّة الرّاقية، قد استطاع أن يستسيغ موسيقا غربيّة خالصة، هي الموسيقا الرّاقصة، والمتتّبع للأغاني التي تشيع اليوم في بلادنا، وتلقى أكبر قدر من الرّواج بين المستمعين، وبخاصّة الأجيال الجديدة منهم، يجد طابع الموسيقا الغربيّة الرّاقصة غالباً عليها. وصحيح أنّ هذه الموسيقا تختلف عن الموسيقا الغربيّة الكلاسيكيّة اختلافاً بيّناً، غير أنّها أيضاً تختلف عن الصّور التّقليديّة للموسيقا الشّرقيّة اختلافاً أعظم. ومجرّد كون الجمهور الشّرقيّ قد استساغ هذا اللّون الذي يختلف عن اللّون الشّرقيّ القديم كلّ الاختلاف، وأبدى إعجابه به، وردّده في غدوّه ورواحه، هو في ذاته دليل واقعيّ ملموس على أنّ اللّغة الموسيقيّة، رغم قوميّتها، تستطيع أن تعبر حواجز القوميّة وتؤثّر في الجميع. وليس من المستبعد، والحال هذه، أن يأتي اليوم الذي يفهم فيه الجمهور الشّرقيّ موسيقا الغرب الكلاسيكيّة ويحسن تذوّقها".

التعليقات


إضافة تعليق