ذهب والدي ووالدتيحوالي منتصف سنوات الخمسينيّات، إلى مدينة الإسكندريّة في مصر، حيث كان والدي مشتركاً في مؤتمر طبّيّ أقيم في تلك المدينة، وكان والديّ يذهبان معاً في غالبيّة رحلات السّفر إلى البلدان، التي كانت تقام فيها المؤتمرات الطّبّيّة التي كان يشارك فيها والدي، وقد زارا أبرز المعالم التّاريخيّة والسّياحيّة في القاهرة والإسكندريّة، التي كانا قصدا فيها قصر الملك فاروق في المنتزه، وقد رغب والديّ في أن يوثّقا زيارتهما ذلك القصر، فبادر والدي إلى أن يلتقط صورة لوالدتي، حيث كانت تظهر في هذه الصّورة وهي تقف في المنتزه أمام قصر الملك فاروق، والذي يطلّ على البحر الأبيض المتوسّط، وتجمع عمارة هذا القصر بين الطّرازين الفرنسيّ والعثمانيّ الإسلاميّ، ويوجد فيه برج السّاعة الشّهير وهو يظهر في هذه الصّورة، ويعدّ هذا القصر من "أهمّ التّحف المعماريّة الخالدة في فنون العمارة المصريّة، في مدينة الإسكندريّة، وتتميّز حدائق القصر بإطلالتها السّاحرة على البحر، وهي من أجمل المواقع التّاريخيّة والسّياحيّة، ويحتاج الزّائر لاكتشاف معالمها السّير على الأقدام لساعات" وظهرت والدتي في هذه الصّورة الضّوئيّة، مرتدية ثياباً أنيقة، وبدت على أسارير وجهها ابتسامة رقيقة، ولاحت تسريحة شعرها التي أنجزتها بنفسها، تلائم تلك الأناقة التي تميّزت بها، ويؤكّد خبراء الموضة، بالإضافة إلى العديد من المؤرّخين، أنّه قد بلغت الموضة أوجها ودخلت في حقبتها الذّهبيّة في سنوات الخمسينيّات، ففي تلك السّنوات ظهر "عصر الأناقة الجميل الذي ينظر إليه الجميع على أنّه ذروة الأناقة في عالم الأزياء"، وفي ذلك الأوان حوالي منتصف القرن العشرين كان "الفترة الكلاسيكيّة الرّاقية في تاريخ الأزياء بالكامل النّسائيّة والرّجاليّة"، ويؤكّد ذلك المظهر الأنيق الذي ظهرت فيه والدتي صحّة وسداد آراء أولئك الخبراء.

كان أشخاص عديدون، منذ ذلك الزّمن الذي بدؤوا فيه التقاط الصّور الضّوئيّة خلال فترة رحلات سفرهم، يتعمّدون أن يلتقطوا صورهم أمام المعالم السّياحيّة التي يزورونها، لتكون تلك الصّورة وثيقة، تضاف إلى سجلّ تاريخ العائلة، وتصبح الصّورة شاهدة على الوقائع التي عاشها أولئك الأشخاص الذين يظهرون في تلك الصّورة، ولم تكد تنتشر وسائل التّواصل الاجتماعيّ في عصرنا الحديث، حتّى بدأت تزداد رغبة النّاس في نشر صورهم على تلك المواقع المنتشرة في شبكة الأنترنت، وقد وقع العديد من الباحثين في العلوم الإنسانيّة في الخطأ، حينما جانبهم الصّواب في إدراك رغبة النّاس في عرض صورهم على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، حيث توهّم هؤلاء الباحثون، أنّ الرّغبة في نشر الصّور على تلك المواقع الموجودة في شبكة الأنترنت، هو الدّافع إلى التّصوير الذي ينجزه أولئك النّاس الذين يلتقطون الصّور الضّوئيّة، وقد غاب عن أولئك الباحثين والدّارسين، أنّ الرّغبة في توثيق الأحداث نشأت منذ زمن بعيد، وأمّا الرّغبة في النّشر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، فلم يكن هو الدّافع إلى التّصوير، فخلطوا بين السّبب والنّتيجة، لأنّ الرّغبة في توثيق الأحداث من خلال الصّور الضّوئيّة، كانت الحافز الذي دفعهم إلى النّشر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وهذه الصّورة التي تظهر فيها والدتي تؤكّد ذلك الرّأي، الذي كنت أفصحت عنه آنفاً.

كانت والدتي سبّاقة إلى مجاراة التّطوّر الحاصل في العالم، بل أنّ أهلي قد أثبتوا في العديد من الأفعال التي أتوها، أنّهم قد سبقوا عصرهم الذي يعيشون فيه بسنوات كثيرة جدّاً، وقد وافقني على ذلك الرّأي الذي ذهبت إليه، واعتقدته اعتقاداً ثابتاً، أشخاص كثيرون، كانوا يعرفون أهلي معرفة أكيدة، ويدركون أحوال النّاس في بلدان عديدة.

التعليقات


إضافة تعليق