مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (84)

سنة النّشر 2009

لم يذكر المفكّر القدير فؤاد زكريّا صراحة اسم ذلك المغنّي "الذي تظهر آهاته في التّسجيل"، وعلى أيّة حال فإنّ اسم هذا المغنّي لا يخفى على المدقّقين في شؤون تلك الأنشطة الموسيقيّة التي تجري في الوطن العربيّ، بيد أنّ يتوجّب عليّ إجلالاً لتحقيق الدّقّة والأمانة العلميّتين، أن أذكر أنّ اسم ذاك المغنّي هو محمّد عبد الوهاب، والمفكّر فؤاد زكريّا لا تعوزه الجرأة الأدبيّة في قول الحقيقة، بيد أنّ الاستنتاج الذي قمت به في سعيي إلى أن أتعرّف اسم ذلك المغنّي، يتّفق مع السّياق الفكريّ والمنطقيّ لتسلسل الأفكار الفلسفيّة التي أفصح عنها المفكّر فؤاد زكريّا، ويعهد العالمون بسيرة المغنّي محمّد عبد الوهاب جيّداً، صدق تلك القصّة التي أخبر بها المفكّر فؤاد زكريّا، وقد سئل الموسيقار صلحي الوادي عن رأيه في الأعمال الموسيقيّة التي وضعها محمّد عبد الوهاب ورياض السّنباطيّ، فأجاب في صراحة وجرأة أدبيّة بالغتين، حيث قال: حين أتحدّث عن الموسيقا المتكاملة، فأنا أشير إلى موسيقا تحتوي على العناصر التّالية: اللّحن، الإيقاع، الانسجامات الصّوتيّة "هارموني"، التّشابك اللّحنيّ "كاونتربوينت"، والتّوزيع الأوركستراليّ، أيّة موسيقا لا تحتوي على هذه العناصر بتناسق مقبول لا أستطيع أن آخذها مأخذ الجدّ، ما قدّمه السّنباطيّ وعبد الوهاب أغنيات ارتبطت بشبابنا، نتذوّقها لأنّها تعود بنا بالذّاكرة إلى الماضي، ومن منّا لا يعشق الماضي؟ لكنّي حين أنقدها كموسيقيّ الآن، بمعارفي الحاليّة، وبما مرَّ عليّ من دراسة فلا أجد في هذه الموسيقا ما يقاوم المستقبل".

إنّ نقد أعمال الموسيقيّين محمّد عبد الوهاب، ورياض السّنباطيّ، يتمّ وفق المعارف النّقديّة العلميّة، التي لا يفضلها أيّ معيار آخر، ومن يشكّك في الآراء النّيّرة والأقاويل الحصيفة التي ذكرها الموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، والمفكّر فؤاد زكريّا، فكأنّه يدعو النّاس إلى أن يبدؤوا تارة أخرى محاولة إثبات إنّ الأرض هي كرويّة الشّكل، وهي تدور حول الشّمس، فلا يوجد أيّ مقياس يبزّ معايير تلك المعارف الفنّيّة، في نطاق وضع الدّراسات والأبحاث الفنّيّة الموسيقيّة، أمّا من يريد أن يلغي تلك المعايير والمعارف العلميّة، إذاً ليُبدأ في إقناعه بأنّ الأرض هي كرويّة الشّكل حقّاً، ثمّ ليُنتقل إلى البرهنة على تلك البديهيّات التي هي في غنى عن أيّ دليل على صحّتها، وقد أكّد المفكّر فؤاد زكريّا تأزّم أحوال الموسيقا المصريّة، إذ ذكر: فالفنّ الموسيقيّ المصريّ إذن في محنة، والوسيلة الوحيدة لانتشاله منها هي اقتباس خبرة الغرب الطّويلة، وأسلوبه في التّأليف الموسيقيّ وفي الأداء. وعلينا أن نبذل في ذلك أشقّ الجهود حتّى نعوّض تخلّفنا الهائل في هذا الميدان، أمّا لو ظلّت الأمور على ما هي عليه، فسوف تزداد الهوّة بيننا وبينهم اتّساعاً على الدّوام".

التعليقات


إضافة تعليق