مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (83)

سنة النّشر 2009

عاضد رجالات الفكر في الوطن العربيّ الفنّانين الموسيقيّين العرب، على رفع تلك العوائق التي تعرقل مضيّهم في ابتكار مؤلّفاتهم الموسيقيّة، فنافحوا عنهم، وذادوا عن مبادئ وأسس الفنّ الموسيقيّ، الذي دأب أولئك الموسيقيّون في أن ينذروا أنفسهم لتعزيز شأنه في مجتمعاتهم العربيّة، وكانت قضايا ذلك الفنّ الموسيقيّ تشكّل في الأصل موادّ تلك الدّراسات الفكريّة، التي ينجزها هؤلاء المفكّرون الذين تضمّنت بحوثهم الفكريّة دراسة القيم الجماليّة، والتّروّي في مبادئ وأصول الفنّون، وقد اتّبع أولئك المفكّرون في معالجتهم تلك المشاكل التي تعرّض لها الفنّانون الموسيقيّون، الأسلوب الذي مرنوا على الأخذ به، حيث مضوا على نهج الفكر القويم والمنطق السّديد، وكان أعلن المفكّر فؤاد زكريّا في مستهلّ تناوله شؤون النّشاط الموسيقيّ، وجود أزمة متفاقمة واقعة فيها الموسيقا العربيّة، إذ قال: "لا جدال أنّ في مصر شعوراً بالضّيق من قصور الموسيقا الحاليّة وأفقها المحدود، وهذا الشّعور، الذي يتزايد على الدّوام، يتمثّل بصورة ظاهرة في تلك المناقشات الحامية التي تدور في الصّحف في أيّامنا هذه_ وهي المناقشات التي تتراوح الآراء فيها بين الدّعوة إلى التّجديد التّامّ، وبين الرّجوع إلى الماضي، الذي يصفه أنصار هذا الرّأي بأنّه ماض "مجيد".

عكف المفكّرون العرب على وضع الدّراسات الفكريّة، التي فنّدوا فيها زعمات الذين يعارضون منكرين الاستفادة من العلوم الموسيقيّة في السّعي إلى النّهوض بواقع الموسيقا العربيّة، وبيّنوا سوء حال تلك الموسيقا، حيث حجب بينها، وبين ذلك المدد الذي تجود به تلك العلوم الموسيقيّة، التي بيّن المفكّر فؤاد زكريّا فوائد الاقتباس من أنوار تلك العلوم، حيث ذكر: "فأسلوبنا في التّأليف ينبغي أن يتضمّن " التّوافق الصّوتيّ" حتّى يضاف إلى موسيقانا عنصر العمق، وعندئذ تستطيع الموسيقا أن تكون معبّرة بحقّ، وإذا اكتسبت القدرة على التّعبير، استطاعت أن تتحرّر من عبوديّتها للغناء، وتصبح فنّاً مستقلّاً له كيانه الخاصّ، والأداء ينبغي أن يزداد دقّة: فأصوات المغنّين عندنا محدودة المدى إلى حدّ مؤسف، وليست هناك جهود جدّيّة تبذل لتمرين الأصوات وتوسيع نطاق قدرتها في الأداء، مع أنّ هذا علم كامل قائم بذاته. بل إنّ المغنّي عندنا يظلّ، في سعيه وراء الكسب، يواصل الغناء دون أن يعترف بتأثير الزّمن على صوته، حتّى لنجد منهم من يمرّن حنجرته بصوت عال بين مقاطع الغناء، وتظهر آهاته في التّسجيل، ولا يعترف مع ذلك بضياع صوته_ وهي بدورها ظاهرة مؤسفة لا نظير لها في عالم الغناء!.. أمّا العزف، فأستطيع أن أقول مطمئناً، إنّ المسافة بين أكبر عازفي الكمان عندنا، مثلاً، وبين عازفي الكمان المشهورين في الغرب، لا تقاس إلّا بالسّنين الضّوئيّة!".

التعليقات


إضافة تعليق