بدأت عمليّة التّرجمة عند العرب في أثناء قيام الدّولة الأمويّة، وكان برز مسعى الخليفة عبد الملك بن مروان، في قراره بأن تكون اللّغة العربيّة هي اللّغة الرّسميّة في دواوين الدّولة والمراسلات التي كانت تجريها، وباتت تعرف هذه المبادرة التي اعتمدها ذلك الخليفة الأمويّ، بعمليّة تعريب الدّواوين، إذ اهتمّ خلفاء بني أمّيّة بتنظيم جهاز الدّولة الإداريّ، وقد أمر الخليفة عبد الملك بن مروان أيضاً، في أن يسكّ الدّينار العربيّ، الذي حلّ عوضاً عن النّقود البيزنطيّة، وأخذ المسلمون يعكفون في عصر الدّولة الأمويّة في ترجمة علوم الأوائل، ثمّ تواصلت واتّسعت عمليّة التّرجمة، بعد أن توفّرت لها الوسائل التي نشّطت ودعمت تحقيق عمليّة نقل الكتب الأجنبيّة إلى اللّغة العربيّة، إذ برز بيت الحكمة في مدينة بغداد، وهو كان أوّل دار علميّة أقيمت في الحضارة الإسلاميّة العربيّة، وكان بيت الحكمة وهو سمّي أيضاً بخزائن الحكمة، وصل إلى أوج ازدهاره في عهد الخليفة المأمون، الذي كان "أعلمخلفاءبنيالعبّاس،فقدكانعالماًبالشّرعواللّغةوالنّجوموالفلسفةوالمنطق،فالمأمونلولاحبّهالعلموإحرازهشيئاًمنهلم يقدمعلىترجمةالكتب"،وقد كان الخليفة المأمونيعقدالمجالسللمناظرةوالمحاورة،وهوالذي"أمرالفرّاءبجمعأصولالنّحووأخلاهفيغرفةوأطلقلهالأموال،فزهاالعلمفيأيّامهوخصوصاًالفلسفة،لأنّهكانيُحبّهاومامنأميرولاملكمحبّللعلمإلّااجتمعالعلماءحوله،وألّفوالهالكتبفيمايحبّهمنفروعالعلموهويجيزهمعليها"، فكان نشوء بيت الحكمة أحدأسبابنهضة المسلمين إلىنقلكتب القدماء إلى اللّغة العربيّة.

سعى الخليفة المأمون إلى أن يستجلب كتب العلم من بلدان شتّى، وكانت اندرجت في عداد لغات تلك المؤلّفات التي طلبها المأمون، اللّغاتاليونانيّة والسّريانيّةوالفارسيّةوالهنديّة والقبطيّة،وقد رغب ذلك الخليفة العبّاسيّ أيضاً في أن يضمّ تلك الكتب إلى بيت الحكمة، بعد أن تترجم من لغاتها الأجنبيّة، وما إن علم النّاس ذلك المسعى الذي قصد أن يحقّقه الخليفة المأمون، حتّى بدؤوا يقدّمون إليه الكتب التي توزّعت موضوعاتها في أصناف شتّى من العلوم، وبدأت آنئذ تنشط حركة التّرجمة وتزدهر، حتّى باتت تعرف تلك الفترة من التّاريخ بعصر التّرجمة المأمونيّ، حيث توالى ظهور كبار المؤلّفين والمؤلّفات ذات الأجزاء الضّخمة، وفي إبّان ذلك العصر الذّهبيّ للتّرجمة، بدأت تكثر كتب الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة، في أرجاء تلك الدّولة العبّاسيّة، وقد روي أنّ رؤية المأمون لأرسطو في المنام, هي الحادثة التي حثّته إلى أن يبادر منطلقاً إلى أن يطلب من ملك الرّوم، أن يرسل إليه كتب علوم الأوائل التي كانت موجودة في مكتبة ذلك الملك، كي يأخذ المترجمون العرب في أن ينقلوها إلى اللّغة العربيّة.

لم تسلم واقعة حلم المأمون، من تلقّي سهام التّشكيك في حدوثها، فكان العديد من الباحثين عندما يعلّق على هذه الحادثة في سياق حديثه عن عمليّة التّرجمة في عصر المأمون، يشير إلى حادثة الحلم، مشكّكاً في صحّتها، ثمّ يتجاوزها ليتابع تناول بقايا المسائل التي يتضمّنها البحث الذي يجريه، وكان السّبب في اهتمام الباحثين والمؤرّخين بقصّة هذا الحلم، الذي وصفت بأنّها تحمل الطّابع الأسطوريّ، هو أنّها "كانت الشّرارة نحو إنجاز مشروع التّرجمة"، وبعض الدّارسين ذهب إلى الاعتقاد أنّ المأمون اختلق حادثة الحلم، ليدرك غاية كان يتطلّع إليها في نقله كتب القدماء إلى اللّغة العربيّة، وكانت وجهات نظر الدّارسين، تمضي كلّها في مجرى نظرة الارتياب من صحّة هذه الحادثة، وهؤلاء البحّاثة جميعهم محقّون في اعتمادهم تلك الآراء التي ذهبوا إليها، وخاصّة أنّهم أوفوا دراسة تأثير الحلم في نشوء الكثير من المعتقدات عند النّاس، حيث كان الخلفاء والسّلاطين يلجؤون في أحايين عديدة، إلى تسويغ صدور أوامرهم الإداريّة، باستغلالهم مخزون المعلومات التي تحويها ذاكرة النّاس، ثمّ مواجهتهم بطرائق الإيهام التي يسعون فيها إلى التّأثير في نفوسهم، فتتّضح أهمّيّة الأحلام في معتقدات النّاس، التي تبدأ في مخيّلتهم تلك النّشاطات التي يمارسونها، في صور الأحلام.

قرّر الخليفة المأمون أن تجري ترجمة الكتب اليونانيّة إلى العربيّة، حتّى سمّي ذلك القرار الذي اعتمده، بالمبادرة المأمونيّة، وقد ذكرت آنفاً أنّ العديد من الباحثين، شكّك في صحّة حادثة الحلم، التي تشابه الرّوايات الأسطوريّة، أو واقعة استثنائيّة قد تكون خارقة في بعض معالمها، ويبلغ التّشكّك مشروعيّته في الظّهور، إذا كانت غاية اختلاق هذا الحلم، هي إنشاء مبادرة علميّة، وقد ذكر في الحديث عن حلم المأمون، أنّنا عندما "نرغب في الحديث عن الأحلام والرّؤى وعلاقتها بالتّشريع، فإنّه من غير الممكن أن نتجاوز العودة إلى أشهر رؤيا حوّلها صاحبها إلى تشريع، وتلقّاها مريدو صاحب الرّؤيا كعقيدة سياسية، تسير وفقَها سياسات الحكام والولاة في عصرها"، وبعد هذا التّمهيد المذكور آنفاً، جرى توضيح الغموض الذي أحاط بذلك الكلام، بسبب بروز أسباب التّشويق في سرد الحديث، حيث ذكر: "إنّنا نتحدّث هنا عن "حلم المأمون" الشّهير أو ما يُسمّى ب"الحلم الأرسطيّ" الذي رأى فيه المأمون أرسطوطاليس"، ونظراً لما ترتّب على انتشار قصّة هذا الحلم، من التّأثير في الحياة الفكرية العربيّة الإسلاميّة، فقد عنى الباحثون بالنّظر في حادثة ذلك الحلم، الذي أعملوا فيه فكرهم، ساعين إلى الكشف عن الدّوافع التي حثّت على أن تسرد وقائع ذلك الحلم.

تحدّث ابن خلدون عن ذلك الازدهار الذي اتّسمت به عمليّة التّرجمة في عهد المأمون، فقال: "إنّ اليونان تبنّوا العلوم وحملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة وغيرهم، ولمّا انقرض أمر اليونان وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النّصرانيّة، هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشّرائع فيها، وبقيت في صحفها ودواوينها مخلّدة باقية في خزائنهم.. وجاء المأمون بعد ذلك، وكانت له رغبة في العلم رغبة بما كان ينتحله، فانبعث لهذه العلوم حرصاً، وأوفد الرّسل على ملوك الرّوم في استخراج علوم اليونانيّين وانتساخها بالخطّ العربيّ. وبعث المترجمين لذلك. فأوعي منه واستوعب. وعكف عليها النّظّار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها، وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها، وخالفوا كثيراً من آراء المعلّم الأوّل، واختصّوه بالرّدّ والقبول، لوقوف الشّهرة عنه، ودوّنوا في ذلك الدّواوين، وأربوا على من تقدّمهم في هذه العلوم"، فكان الكتّاب العرب ينظرون في تلك الكتب الأجنبيّة، برؤية نقديّة، وفكر تحليليّ، فيفنّدون ويناقشون الآراء المعروضة في الكتب، التي كانوا يطالعونها وينقلونها إلى لسانهم العربيّ، وأضافوا الكثير من المعلومات إلى تلك العلوم التي نظروا فيها، إذ لم يكونوا مجرّد نقلة لمؤلفات تلك العلوم التي اطّلعوا عليها، فزادوا في نموّ العلم وثراء أبحاثه الوفيرة.

عُرفت قصّة الحلم بروايات وصيغ متعدّدة، والنّسخة التي يعتقد أنّها الأصليّة والأساسيّة، هي رواية عبد الله بن طاهر، حيث يقولابننباتهالمصريّ "حكىعبداللهبنطاهرأنّالمأمون،قال:رأيتفيالمنامرجلاًقدجلس مجلسالحكماء،فقلتلهمنأنت؟فقالأرسطوطاليسالحكيم،فقلت،أيّهاالحكيمماأحسنالكلام؟فقالما يستقيمفيالرّأي،قلتثمّماذا،قالمايستحسنهسامعه،قلتثمّماذا،قالمالاتخشىعاقبته،قلتثمّماذا،قالماعداهذاهوونهيقالحمارسواء"، وبعد أن يوردابننباتة نصّ هذه الرّواية التي يعتقد أنّه النّصّ الأصليّ، يذكر تعليقاً أفصح عنه المأمون، حيث قال: "ولوكانحيّاًأيأرسطومازادعلىهذاالكلامشيئاًآخر،إذبهجمع،ومنع"، وأمّا الصّيغة الثّانية التي وردت فيها حادثة الحلم،فيقول فيهاابنالنديمفيكتابالفهرستمتحدّثاًعنسببكثرةكتبالفلسفة،وغيرهامنالكتب القديمةفيالبلادالإسلاميةفيعصره، في نهايةالرّبعالثّالثمنالقرنالرّابعللهجرة، أنّ "أحدالأسبابفيذلكأنّالمأمونرأىفيمنامهكأنّرجلاًأبيضاللّون، مشرباً بحمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشّمائل، جالساً على سريره. قال المأمون: وكأنّي بين يديه قد ملئت له هيبة. فقلت. من أنت؟ قال: أنا أرسطاليس. فسررت به وقلت: أيّها الحكيم، أسالك؟ قال: سل. قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت ثمّ ماذا؟ قال: ما حسن في الشّرع. قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور. قلت: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ لا ثمّ؟" فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب". ولم تكن أسباب ظهور ذلك الخلاف بين صيغتي هذا المنام، خافية عن نظر الباحثين الذين عكفوا على دراسة حادثة ذلك الحلم.

كان ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء، أورد حادثة هذا المنام، إذ قال: "نقلت من خطّ الحسن بن العبّاس المعروف بالصّناديقيّ رحمه الله قال قال أبو سليمان سمعت يحيى بن عدي يقول قال المأمون رأيت فيما يرى النّائم كأنّ رجلاً على كرسي جالساً في المجلس الذي أجلس فيه، فتعاظمته وتهيّبته، وسألت عنه، فقيل لي: هو أرسطو طاليس فقلت أسأله عن شيء، فسألته فقلت: ما الحسن، فقال: ما استحسنته العقول، فقلت ثمّ ماذا، قال: ما استحسنته الشّريعة، قلت ثمّ ماذا، قال: ما استحسنه الجمهور، قلت ثمّ ماذا، قال: ثمّ لا ثمّ. فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب"، والملاحظة الهامّة التي تستخلص من تلك الصّيغ المختلفة لذلك الحلم، إنّ أصحاب تلك الرّوايات المتعدّدة، لم يكونوا يعتقدون أنّ الأساس الذي تنهض عليه العلوم، هو وحي أو أحلام ترد إلى المخيّلة، من دون أن يعوّلوا على أهمّيّة وجود الممارسة العمليّة والكفاءة في معالجة أبحاث تلك العلوم، بل هم روّجوا صيغ ذلك الحلم، ليتأتّى لهم أن يوظّفوا حادثة هذا الحلم، ليوافق غاية كانوا يرمون إليها، ولم يكن أصحاب تلك الرّؤى والمشاريع الخاصّة، يدعون حادثة الحلم تمرّ مرور الكرام، من دون أن يستغلّوها في تأسيس معتقداتهم الخاصّة.

إنّ ظهور تلك الصّيغ المختلفة التي سردت فيها حادثة هذا الحلم، استدعى النّظر في أحوال نشوء تلك الرّوايات المتعدّدة التي تناولت حلم المأمون، الذي كان ابن النّديم رواه فيالفهرست،وقد نقلهعنه"حرفيّاًدونأدنىتغييرالقفطيّفي أخبارالعلماءبأخبارالحكماء، ثمّنقلهابنأبيأصيبعةبأسانيدأخرىوبروايتينمختلفتينأحداهمامختزلة، وكان نقلهلهبمناسبةترجمةحياةحنينابنإسحاق،فيحينأنحديثالقفطيّيأتيفيسياقالتّعريفبأرسطو، وتأتيالصّياغةالأولىلابنالنّديمفيإطارالحديثعنالسّببالذيمنأجلهكثرتكتبالفلسفةوغيرها منالعلومالقديمةفيهذهالبلاد"، وإذا نظرنا في تلك الصّيغ التي وردت فيها رواية ذلك الحلم، نتبيّن أنّ "الرّواية واحدةأوتكاد، ولكنّكلّكاتبيوظّفهافيسياق"، وإذا كنّا وقفنا على معالم توظيف الرّواية في مجرى محدّد، بحسب معتقد الكاتب الذي أورد صيغة معيّنة، كان قد اختارها لسرد واقعة ذلك الحلم، فلأنّ كلّ من أولئك الكتّاب، كان يرمي إلى تحقيق غاية خاصّة ومحدّدة، في توظيف قصّة هذا الحلم، وجاء نظر بعض الباحثين في عمليّة توظيف واستغلال ذلك الحلم، من دون الاهتمام بالبحث في حالة الحلم سواء أكان حقيقيّاً أو مصطنعاً ومختلقاً، لأنّ أنظار تلك الفئة من الباحثين، لم تتوقّف طويلاً عند التّدقيق في حقيقة حدوث الحلم، بل اهتمّوا بدراسة الطّرائق التي استغلّت بها واقعة ذلك الحلم.

توضّح واقعة ذلك الحلم الذي راود المأمون، أنّ ذلك الحلم قد استفزّه ودفعه إلى أن يتّخذ المبادرة إلى السّؤال عن أرسطوطاليس، وعن فكره ومكانته الفلسفيّة، ثمّ "توجيهه لمن حوله من المهتمّين بالفكر والعلوم إلى ترجمة كلّ ما يمكن ترجمته من كتب أرسطوطاليس ومن علوم الإغريق بصفة عامّة"، وإذا كان لهذه الواقعة كما أشار كثير من المؤرّخين والكتّاب، الفضل في الشّروع "بتشييد جسر عظيم من التّواصل المعرفيّ بين الفكر العربيّ الإسلاميّ وبين فكر العالم القديم، أو ما يسمّى بفكر الإغريق"، فإنّه الآن بعد أن تبيّنا رؤية الباحثين المعاصرين في ذلك الحلم، فإذا تجاوزنا النّظر في مضامين الرّوايات، حيث تبيّن أسباب الاختلاف الحاصل بينها، أحوال الفكر في ذلك الأوان من عهد الدّولة العبّاسيّة، وتحديداً في عصر المأمون، فإنّ نظر النّاس المعاصرين، إلى حادثة هذا الحلم، أثار في عقولهم الحلم بتحقيق نهضة حقيقيّة في موضوع التّرجمة في الوقت الحاضر، وتزداد مشروعيّة وجود ذلك الحلم في مخيّلة هؤلاء النّاس الذين يعيشون في الزّمن الحاليّ، بعد أن رؤوا بؤس حال التّرجمة، الذي يصل إلى حدّ الكابوس المزعج، فإذا أضحت حالة التّرجمة سيّئة ومتردّية، فإنّه يحقّ للأفراد المعاصرين، أن يأملوا في تجاوز ذلك الواقع السّيّئ، بأحلامهم الغضّة، من دون أيّ حاجة إلى توظيف مضمون الحلم الذي سوف يراودهم، وقد أصبح الانفتاح على سائر صنوف النّتاج المعرفيّ، مطلباً أساسيّاً، ولا سيّما بعد أن تقدّم العلم تقدّماً بارزاً في هذا العصر الحاليّ، وبات تنشيط عمليّة التّرجمة، والاهتمام بإتقان تنفيذ ترجمة الكتب الأجنبيّة إلى اللّغة العربيّة، هما الهدف الذي يتطلّع إليه هؤلاء النّاس الذين يعيشون بعد عصر المأمون، بما يقارب ألف ومائتي عام.

المصادر: سنذكر بالتّفصيل في خاتمة هذا البحث، المصادر التي لها صلة بموضوع هذا البحث.

التعليقات


إضافة تعليق