مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (82)

سنة النّشر 2009

إنّ الفنّان الموسيقيّ عزيز الشّوان هو محقّ في حديثه عن اليأس من معالجة المتعصّبين للتّراث، فالموسيقار صلحي الوادي، والموسيقار عزيز الشّوان، إذ اعتمدا أسلوب المحاججة الصّائبة والمجادلة المنطقيّة، يتهيّأ لهما أن يبزّا خصومهم في ذلك النّقاش الدّائر بينهم، إن تقيّد أولئك الخصوم بقواعد وأصول التّفكير المستقيم، حيث اعتقدا أنّ يتأتّى لهما أيضاً أن يقنعوهم بآرائهما التي أدليا بها، بيد أنّهما صادفا عقبة كأداء في محاججة أولئك الخصوم، الذين تصامّوا عن حديثهما عن حججهما الصّائبة، فمهما بذلا جهدهما في محاولة إقناع أولئك الأشخاص الذين يخاصمونهما فلن يفلحا، لأنّ هؤلاء الخصوم تعمّدوا ألّا يمضوا على سنن تلك المحاججة، التي يفترض أن تفضي إلى إقرار رأي تقبل به الأطراف التي شاركت في ذلك الجدال، وربّما يكون خصوم هذين الموسيقيّين الجادّين، في ذات صدورهم مقتنعين بأقوال الفنّانين الموسيقيّين، لكنّهم آثروا الإيغال في معارضتهما، ليتسنّى لهم أن يواروا جهلهم وعجزهم عن الخوض في غمار العمل الفنّيّ الإبداعيّ، فعمدوا آنئذ إلى أن يرفضوا رفضاً مطلقاً الإقرار بما يقوله أولئك الفنّانون الأفذاذ، ليدافعوا عن اندساسهم في ثُلّة الموسيقيّين المبدعين، فأصبح  ذلك الجدل الحاصل معارك تستنزف فيها الجهود لتضيع سدى، حتّى تصبح تلك المجادلات في ذاتها، تلحق أضراراً فادحة بمحاولة السّعي إلى تحقيق النّهوض الحضاريّ في البلاد العربيّة، حيث تلهّى النّاس بمتابعة ذلك الجدل، من دون أن تعود عليهم منه فائدة أو منفعة.

ما برح الموسيقار عزيز الشّوان يعكف على إبطال حجج المتعصّبين لذلك التّراث الموسيقيّ، إذ ذكر: "أن نبدع الجديد ولا نحاكي القديم هي سنّة التّقدّم والرّقي، ولا بدّ أن يكون هذا الجديد ثوريّاً أي يعدّل الأساليب القديمة، ويجدّد الأشكال التّقليديّة مع الالتزام بالأسس والقواعد الثّابتة اللّازمة لكلّ عمل فنّيّ، حتّى يستطيع أن يشقّ طريقه غير مكترث بخزعبلات المتعصّبين للقديم، ومناقشاتهم البيزنطيّة. ومن جهة أخرى فإنّ مؤلّف الموسيقا الذي يقوم بهذا التّجديد بخطوات واعية راسخة، يستطيع أن يطمئن لمستقبل أعماله، فإن عاجلاً أو آجلاً سوف يأتي اليوم الذي يتمّ فيه الاعتراف بمزايا عمله، ويحظى بالتّشجيع والتّقدير. ونحن في مصر قد استطعنا أن نستوعب منجزات العصر العلميّة والفنّيّة، واستفدنا من معطيات الحضارة، فاستعملنا العقول الحاسبة، وأكثر الأجهزة الالكترونيّة تعقيداً في جميع مجالات الحياة تقريباً، إلّا أنّنا في ميدان الموسيقا والغناء ما زلنا متخلّفين عن ركب الحضارة بعدّة مئات من السّنين، فها هي موسيقانا الشّائعة فرديّة اللّحن، لم تستفد بعد من إمكانيّات الهارمونيّة والبوليفونيّة، وما زالت أغانينا تصرّ على طابع النّحيب، أو تنحصر موضوعاتها غالباً في استجداء الحبّ والوصال، وما شاكل ذلك ممّا أصبح لا يناسب الأوضاع الأخرى في حياتنا، إنّ أغلب أغنياتنا رخوة ناعمة وكأنّه لا توجد لدى الإنسانيّة مشاعر غير مشاعر الضّعف والنّعومة".

التعليقات


إضافة تعليق