مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (81)

سنة النّشر 2009

كان يشتدّ طغيان ذيوع الدّعوات في الوطن العربيّ إلى التّشبّث بالتّراث الموسيقيّ، لتستثمر إثارة قضية ذلك التّراث، في مشاكسة المؤلّفين الموسيقيّين الجادّين، ولإعاقتهم عن تحقيق رسالتهم الفنّيّة الموسيقيّة الجادّة، وقد لحظ الموسيقار عزيز الشّوان استفحال حدّة الحضّ على الأخذ بذلك التّراث، وكأنّما كانت تنتقل تلك الدّعاوى بين بلاد الشّام ومصر، من دون أن يُنسب أساس مصدرها إلى مكان محدّد من تلك البلاد العربيّة، فلا يُبحث عن المكان الذي اندرأ منه صوت تلك الدّعاوى، ولا يعنى بتحديد المكان الذي تردّد فيه صداها، فلأنّ البحث الدّقيق في منشأ تلك الدّعاوى، يؤكّد انبعاثها في كلّ من تلك الأقطار العربيّة على حدته، أمّا توقيت صدورها فيرتبط بالمدى الذي تبلغه خبرة الموسيقيّين في تلك البلاد العربيّة، بشؤون الفنّ الموسيقيّ الجادّ، فلا تكاد تبرز محاولة النّهوض بالفنّ الموسيقيّ في أحد الأقطار العربيّة، حتّى سرعان ما تنبعث فيه تلك الدّعوات إلى التّشبّث بالتّراث، من دون الحاجة إلى أن تستجلب تلك الدّعوات من الدّول العربيّة الشّقيقة، لأنّ الوسائل التي يتذّرع بها الجهّال إلى الدّفاع عن حججهم الباطلة، هي نفسها في الأمكنة كافّة، وتماثلُ تلك الذّرائع يفسّر تشابه وتطابق تلك المعارك الحامية الوطيس، التي تدور رحاها في الأقطار العربيّة، التي تنطلق فيها محاولات النّهوض بكلّ أوجه الأنشطة الإنسانيّة.

إنّ اشتداد الإلحاح بالتّشبّث بالتّراث الموسيقيّ، دفع الموسيقار عزيز الشّوان إلى أن يعبّر عن رؤيته إلى معالجة شؤون التّراث الموسيقيّ، إذ قال: "إنّ الوقوف عند تكرار القديم من الألحان والموسيقا، ومنحها ذلك الاسم الكبير "التّراث" دون البحث العلميّ في قيمتها الحقيقيّة، وملاءمتها الفنّيّة للتّقدّم الحضاريّ المعاصر ما هو إلّا نوع من المغالطة. والحضارة المحاكية لسابقها مصيرها الفناء، حتّى ولو كانت موسيقا الحضارة السّابقة قد بلغت الكمال في عصرها، لأنّ الكمال إذا جمدت صورته ولم يتطوّر ويتجدّد مع متطلّبات العصر الحديث، يصبح باهت اللّون ضعيفاً. وتوجد في بلادنا طبقة من المتعصّبين للقديم، تنادي بإصرار على العودة إلى ما أطلقوا عليه اسم التّراث الموسيقيّ، وهو في نظري خليط من العناصر الفارسيّة والتّركيّة لا تتوافر في معظمه مقوّمات العمل الفنّيّ، ولا يصحّ أن يسمّى تراثاً مصريّاً، فهذا اسم رفيع لا يطلق إلّا على الأعمال التي تفيض بالأصالة المصريّة الصّميمة، وتستوفي مواصفات الموسيقا الحضاريّة، فبلادنا ذات حضارة عريقة وتاريخ طويل مجيد، وبفعل إصرار المتعصّبين للقديم في الآونة الأخيرة، ومعظمهم من "السّمّيعة" فقط دون معرفة أو دراسة، ومنهم من يحتلّ مناصب بارزة، ومنهم ذوي النّفوذ والكلمة المسموعة، أصبحنا نمسي ونصبح على قذف ذلك التّراث أو تقليده في مسامعنا، حتّى قتلناه تكراراً وأشبعناه محاكاة، وتحجّرت آذان الشّعب على ذلك النّوع وأصبح لا يعجبه سواه. والمتعصّبون للقديم مدمنون قد أصبحوا حالات ميئوساً منها، إنّهم يعتقدون أنّهم وحدهم العارفون ذوي البصيرة الجماليّة الوحيدة الصّحيحة".

التعليقات


إضافة تعليق