مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (79)

سنة النّشر 2009

إنّ أفدح الأضرار التي ألحقت بالتّراث الموسيقيّ العربيّ، جاءت بأيدي أولئك المنافحين عنه بجهالة، وقلّة دراية، فأساؤوا إلى ذلك التّراث أشدّ الإساءة، إذ عملوا على تقديمه في صور شوهاء، فبدلاً من أن يحاولوا إحياءه بحسب زعمهم، إذا بهم يطيحون به في أعمالهم الموسيقيّة الهابطة السّاقطة، حتّى يصحّ أن أقول ومن الجهل ما قتل، لأنّي آبا أن أعزو تشبّثهم بذاك التّراث إلى حبّهم إيّاه، وقد فنّد الموسيقار صلحي الوادي ادّعاءات أولئك القوم، الذين يستغلّون إثارة قضية التّراث الموسيقيّ، ليواروا جهلهم في مسائل ومبادئ الفنّ الموسيقيّ، إذ قال: أوّلاً يجب أن ندرك تماماً أنّنا نعيش في نهاية القرن العشرين، وأنّه مع احترامنا وحبّنا لتراثنا القديم، إلّا أنّنا لا نؤمن أنّ تقديمه بصورة عشوائيّة يعني الطّريقة المطلوبة للحفاظ عليه. هم يعتقدون بأنّنا إذا ما قدّمنا "العتابا" و"الميجانا" على مسرح الحمراء، فهذا يعني أنّنا ندافع عن فنوننا الشّعبيّة.. العكس هو الصّحيح.. إنّ الموسيقا الشّعبيّة، يجب أن تتمّ دراستها، و"تنويطها" وأن يكون هناك أناس مختصّون في مسائل مراجعة، وتدقيق صدق هذه الألحان ووثائقيّتها، ولكنّ هذا ما لا يفعلونه، وما لا تفعله أيّة جهة مسؤولة عن الموسيقا والحركة الموسيقيّة في القطر.. فإذا ما جاء أحد المقلّدين لأسلوب ما، مستخدماً الفنون الشّعبيّة بأبشع صورة ممكنة، بل وبصورة مشوّهة لها، فإنّهم يشجّعونه ويقدّمون له كلّ أروقة الإذاعة وإستوديوهات التّلفزيون ليقدّم أعماله، وبالتّالي فإنّ هذا الأمر يؤدّي بالتّدريج إلى الإساءة الأعظم والأكبر لفنوننا التّقليديّة والوطنيّة".

إنّ الأعمال الموسيقيّة الجادّة تمتلك فاعليّة التّأثير في نفوس النّاس كلّهم في أرجاء شتّى من العالم، فتمتاز بشمول نفوذها، وذيوع تذوّق جموع البشر كافّة لها، إذ في وسع كلّ إنسان أن يكتنهها ويدرك معانيها ويتأثّر بها ذلك التّأثّر الجماليّ، الذي يرفع ذلك الإنسان في مراتب الإحساس بالوجود وأن يدركه إدراكاً نيّراً، وقد بيّن الموسيقار صلحي الوادي تلك الخاصّيّة التي تتّسم بها الأعمال الموسيقيّة الجادّة، إذ يتأتّى لها أن تنتشر في أرجاء العالم، حيث قال: "هناك لغة إنسانيّة كبيرة لها تقنيّاتها ومفرداتها، كما أنّ لها لهجاتها ويجب أن يتعلّمها الإنسان، هذه اللّغة هي الموسيقا التي تتميّز عن باقي اللّغات بأنّها لا تحتاج إلى مترجم، أمّا استغرابنا للموسيقا اليابانيّة مثلاً فلا يعود إلى أنّ لغتها مختلفة، بل لأنّنا لم نمارس التّعمّق بلهجة هذه اللّغة بالذّات. الموسيقا لغة إنسانيّة كبيرة، يساعد الاحتكاك بلهجاتها على إدراكها وفهمها، وتساهم في هذه العمليّة محاولات تقريب الأذن العربيّة من الموسيقا الغربيّة، باستخدام آلات شرقيّة مألوفة في تلك الموسيقا، وبتقريب آلاتنا من الأذن الغربيّة، إذ أضع هذه الآلات في سياق مدروس وممنهج صحيح، ومشروعي هو أن أتحدّث لغة عالميّة بسيكولوجيّتي الخاصّة".

روى الفنّان صلحي الوادي مثلاً، وضّح فيه الأسلوب الذي تقدّم فيه المؤلّفات الموسيقيّة، التي يؤدّيها العازفون على الآلات الموسيقيّة الشّرقيّة، التي يتقبّلها النّاس قاطبة، إذ قال: "عندما مثّلنا سورية في مهرجان (اسبوفستيفال) الموسيقيّ في إشبيليا، اخترنا مقطوعة إسبانيّة وعزفناها على آلة العود، ولاقينا إقبالاً كبيراً. علينا ألّا نتوهّم هذه المهمّة، صحيح أنّ العود آلة ذات منشأ عربيّ أو مشرقيّ عموماً، لكنّها انتقلت عن طريق إسبانيا في القرن الحادي عشر إلى عموم أوروبا، وانتشرت فيها إلى درجة إنشاء مدرسة "اللّوتينيست"، أو العوّادين للتّلحين والتّعليم في إنكلترا في القرن الخامس عشر أثناء عهد الملكة إليزابيث الأولى".

التعليقات


إضافة تعليق