مقتطفات من رواية أناشيد الألم (53)

سنة النّشر 1987

لم يداخلني الشّكّ في حقيقة دأبي ومثابرتي على السّعي إلى أن أظفر بتلك المآرب، التي تتوق إليها نفسي، ولم أكن آبه لتلك المصاعب التي كانت تعترض سبيلي، فكنت أخوض آنئذ في ذلك المسلك الشّاقّ، وأنا أستثير قدراتي، فآمن من ألّا تجنح إرادتي إلى الفتور والخمود، إن خيّل إليّ أنّي أنال مطلبي، بالجهد اليسير، والكدّ القليل، وكنت أقف حائراً حيال الملذّات الوضيعة، حتّى أتوهّم أنّ نفسي تراودني على الاقتراب منها، فأغدو مضطرب الشّعور، أتردّد في اختيار المسلك الذي سأتّبعه، ولا أجد غضاضة في اعترافي بهذه الحالة التي كنت أمسي فيها، لأنّ لحظة تلك الحيرة، لم تردّني عن تلك الفضائل التي أنشدها، بل كانت تحرّضني على أن أتخلّق بالشّمائل الرّفيعة والسّجايا الجليلة، ولا أخال أنّي أقرّ بإدراكي ذاك السّموّ، وإن أشارت إليه دلائل شتّى، فتحدّد هدفي بمواصلة السّعي إلى إدراك مقام  تلك الفضائل، من دون أن أمنّي نفسي بأن أتنعّم بالمزايا، التي تعود على من يبلغ تلك المراتب العالية من الخصال الرّفيعة، فأؤجّج بذلك المسعى الذي اعتمدته، حماسي وأثير نشاطي، وأنا أخوض في غمار هذه الحياة.

اتّجهت نادية نحو جهاز الحاكي، وآثرت سماع موسيقا باليه بحيرة البجع لتشايكوفسكي، ووضعت بإزاء الحاكي بعضاً من الإسطوانات المتنوّعة، وحوت تلك المجموعة المختارة السّيمفونيّة السّادسة لبيتهوفن، ورابسودي ليست وكونشرتو البيانو الأوّل لتشايكوفسكي، فقلت لها وأنا أنظر إلى تلك المؤلّفات الموسيقيّة التي اختارتها:

معرفتك عميقة وواسعة بنتاج أساطين النّغم، مثل إحاطتك بمطارحات معشر الفكر، وبمساجلات جماعات الفنّ والأدب.

فأجابتني قائلة:

لم أصطف تلك القطع الموسيقيّة، بناء على اتّساع معرفتي بهذا الفنّ الرّفيع، وإنّما لما خلّفت ألحانها في نفسي من آثار لم يمحها صخب الحياة وجلبة أحداثها.

راقني فحوى كلامها، فلم تكد تتمّ مقالها، حتّى سارعت إلى أن أقول لها:

لا عجب من أن تثير تلك الأنغام في نفسك رقّة المشاعر ودعة الأحاسيس.

تلقّفت كلماتي التي نطقت بها، متنبّهة الخاطر، وبادرت إلى أن تخاطبني قائلة:

مهلاً، رميت المرمى القصيّ في كلامك، فما تراه في نفسي من مخايل السّلاسة، هو ملامح من أجواء التّعاسة، التي أطبق قتامها على سحنتي، فباتت تنتجي في قرارة نفسي الغموم، التي جلّلت غمامتها معارف وجهي، وليتني تفيّأت بظلال تلك الوداعة التي تفيض من طيّات تلك الألحان، كي تخيّم على أساريري سحابة ذلك الهدوء العذب، بدلاً من أن ترخي تكاليف العناء والشّقاء على قسمات وجهي ستار الكدر.

التعليقات


إضافة تعليق