مقتطفات من رواية أناشيد الألم (52)

سنة النّشر 1987

تلقّفت كلماتها، التي أصغيت إليها متمعّناً في مضامين تلك العبارات التي تفوّهت بها، ثمّ أخذت في أن أتحدّث إليها، فقلت لها:

_ربّما أكون غافلاً عن المدى الذي بلغته في سعيّ إلى أن أتخلّق بتلك الخلال، التي توثّق اعتقادي برفعتها، إلّا أنّي لم أنفر من أن أواصل ارتقائي في معارج الفضائل، مهما تكبّدت العناء في مضيّ على تدرّجي في مراتبها العالية، لأنّ تلك المثابرة المستمرّة كانت توافق مشربي، ويتحقّق فيها مطلبي، في أن أبلغ مأربي، وقد كنت أتوجّس لجّة صّاخبة تعجّ في نفسي، وقد يخيّل إلى بعض النّاس، الذين يرمقوني بأبصارهم، أنّه قد سكن في ذهني تيّار الفكر الهادر، وهمد في نفسي صخب المشاعر المضطرمة، فيسهون عن الأحاسيس التي ينطوي عليها صدري، ويجهلون تلك العواطف التي تضجّ في كياني، فلا أكترث لأحكامهم المبرمة على أحوالي، فلا يردّ تفصيل تلك الأوضاع التي أمسي فيها، إلى أنظار البشر، وكيف يحيط بها فكرهم، وأنّى لذهنهم أن يستوعب سريرة نفسي، وقد تمرّسوا بأن يسبروا طويّة الإنسان، بالاقتصار على النّظر إلى مظهر هيئته التي يبدو فيها، فلا يبصرون خواطري ومشاعري المؤجّجة في نفسي، وقد غلّف ضرام توقّدها، سديم من لهبها المنتشر، فيتوهّمون أحاسيسي أنّها خامدة الأجيج منطفئة الجذوة.

لاح في حديثها ذلك الثّناء الذي أعلنته من أجلي، لتثني عنّي الشّعور بالحسرة على أيّامي المنصرمة من سني حياتي، تلك الأيّام التي أمضيتها من دون أن أحصل منها على مكسب أو أصل فيها إلى مغنم، وعزوت سبب إفصاحها عن مديحها، إلى ما تقرّه دواعي المجاملة والملاطفة، فأقلّل في هذا الاعتقاد الذي خطر على بالي، من شأن تلك النّعوت التي أضفتها عليّ، بمقدار ما أجحد في الآن ذاته، حقّ مزايا تلك الخصال التي اتّسمت بها، في أن تنال التّقريظ الوافر.

التعليقات


إضافة تعليق