مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (36)

سنة النّشر 2009

كان يستمرّ دائماً ازدياد أعداد الأهالي الذين يرغبون في أن يقيّدوا أسماء أبنائهم، في سجلّ الدّراسة في المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، وقد أحدث سعي بعض الأهالي إلى أن يضمّوا أبناءهم الصّغار إلى ذلك المعهد، مشاكل عديدة اعترضت العاملين على إدارته، إذ كان هؤلاء الأهالي يستنسبون الآلات الموسيقيّة لأبنائهم، من دون أن ينظروا إلى إمكانيّاتهم أو استعداداتهم الذّاتيّة، ولا يسبرون مؤهّلاتهم الفنّيّة، فضلاً عن أنّهم يحملون في ذهنهم أفكاراً تجافي كنه ممارسة العزف على الآلات الموسيقيّة، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك المصاعب مرّات عدّة، وهو لم يغب عن ذهنه أن يصرّح بأنّه يعدّ الوسام الذي تقلّده، تكريماً وتقديراً لمهنة العمل الموسيقيّ، ولمن يزاول هذه المهنة، وقد كشف ذلك الرّأي الذي اعتنقه، عن غيريّته وتواضعه البالغين، حتّى عندما كان يبلغ أوج المجد الذي ظفر به، كان يحرص على اختيار الوسيلة المثلى، التي يرفع بها من مكانة العمل الموسيقيّ، وهو أمل أن تتّضح حقيقة اعتقاده في شأن تلك المهنة الفنّيّة في أذهان أهالي الطّلبة، كي يكفّوا عن منع أولادهم متابعتهم دراسة العلوم الموسيقيّة، فعبّر بذلك السّلوك الذي اتّخذه، عن نزاهة أخلاقيّة في ممارسة العمل الفنّيّ، إذ كرّس الفنّان صلحي الوادي نفسه، من أجل إعلاء رسالة الفنّ الموسيقيّ الجادّ، من دون أن يطمح إلى أن ينال مجداً شخصيّاً، وهو قال: "إشكاليّة تواجهنا دائماً أنّ معظم ذوي الأطفال يريدون تعليم أولادهم على آلة البيانو، علماً بأنّ البيانو واحد من الآلات التي لا تقلّ عنه جمالاً. وهذا الإصرار من أجل التّباهي بهذه الآلة الأرستقراطيّة وغالباً ما أحارب مثل هذا التّفكير، لأنّ المعهد لا يمكن أن يقوم على آلة واحدة. أيضاً كثير من الأهالي يتوسّلون لقبول أولادهم في المعهد كي يتعلّموا الموسيقا. لكنّ عندما يصل أبناؤهم إلى شهادة الثّانويّة العامّة يتقاتلون معي لأنّ الأولاد يودّون الاستمرار، والأهل يخشون أن ينتمي أبناؤهم إلى الموسيقا التي يعتبرونها مهنة غير محترمة. لذلك فأنا أنظر إلى الوسام الذي منحني إيّاه السّيّد الرّئيس على أنّه وسام لمهنتي كموسيقيّ، وعلى المجتمع الذي أعيش فيه أن يدرك أنّ الأوسمة لا تعطى لمن يمتهنون مهنة غير محترمة. حبّذا لو أنّ أهالي الطّلبة يتركون أولادهم أن يختاروا ما يمكن أن يبدعوا فيه. وليس الطّبّ والهندسة فقط مهنتين محترمتين".

سعى الموسيقار صلحي الوادي، بهمّة عالية، ودأب شديد إلى أن ينشئ الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة، التي كان يضمّ إليها أصحاب الكفاءات الموسيقيّة الرّفيعة للعزف فيها، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن الفترة التي نشأت فيها هذه الفرقة، إذ قال: "حين تأسّست الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة كانت تضمّ بين عازفيها نسبة أكبر من الخبراء والأساتذة الأجانب، وكان التّخطيط تدريجيّاً لجعلها تعتمد على خرّيجي طلّاب المعهد العالي للموسيقا.. وهذا ما نسعى إليه فعلاً مع افتتاح كافّة مراحل المعهد والبدء بتخريج الطّلبة وانضمامهم إلى الأوركسترا.. الأوركسترا في بداياتها كانت تضمّ 78 عازفاً بينهم ثلاثون أستاذاً خبيراً والآن يزيد عددها عن 100 عازف مع تضاؤل نسبة الأساتذة الخبراء، حيث انضمّ إليها عدد من الطّلبة العازفين لكلّ أنواع الآلات، يضاف إليهم بعض المتفوّقين والمتقدّمين سنّاً وهؤلاء بحدود الثّمانية. فأصبح الثّقل بالتّوازن بين الخبراء والطّلبة والخرّيجين معتدلاً أكثر، ولا زالت الخطّة قائمة للوصول إلى الاكتفاء الذّاتيّ، ودون أن ننسى الدّور الفعّال الذي لعبه الاتّحاد السّوفييتي سابقاً ثمّ دولة روسيا الاتّحاديّة لتطوير التّعليم الموسيقيّ في بلادنا، هذا من ناحية بنية الأوركسترا".

التعليقات


إضافة تعليق