يتّسع عالم الفنّ إلى آماد قصيّة، فيحتوي موضوعات عديدة، يتطرّق إلى أن يعالجها الفنّانون، ويشمل عناصر مختلفة تظهر في بنيان الأعمال الفنّيّة، وقد ضمّ الفنّ التّشكيليّ أجناساً فنّيّة متعدّدة، اندرج في عدادها نشاط فنّيّ عمد فيه الفنّانات والفنّانون التّشكيليّون إلى أن يبنوا أعمالهم الفنّيّة على موضوعات، تتّسم بخاصّيّة محدّدة، إذ ركزوا اهتمامهم بنواح خاصّة في تلك الأشياء التي اتّخذوها موضوعاً فنّيّاً، فخصّوا عنايتهم بقوامها الماديّ ومظهرها المحسوس وهيئها الملموسة، فتجلّت مؤهّلاتهم الفنّيّة وقدراتهم على التّعبير عن مظهر تلك الموضوعات، التي أدرجوها في أعمالهم الفنّيّة التّشكيليّة، وهذا النّهج الذي يسلكه هؤلاء الفّنانات والفنّانون، يتجلّى في فنّ لوحات الطّبيعة الصّامتة، التي هي جنس فنّيّ يتمثّل موضوعه الأساسيّ، في الجمادات بأنواعها المختلفة، فقد تكون من منشأ المنتوجات المادّيّة التي يصنعها الإنسان، مثل كؤوس الشّرب، والأواني والأصص، وأصناف المنتوجات المعدنيّة، حتّى الكتب والمجلّدات تضاف بمظهرها المادّيّ إلى موضوعات فنّ الطّبيعة الصّامتة، ويوجد مصدر آخر تنبثق منه تلك الموادّ التي تندرج في عداد موضوعات ذلك الجنس الفنّيّ التّشكيليّ، وهي تلك الأشياء التي نشأت من مصدر الطّبيعة، مثل الأزهار والحيوانات النّافقة، التي انتزعت من مجالها الحقيقيّ ووسطها الواقعيّ، حيث تجلب من الطّبيعة التي نشأت فيها، لتغدو موضوعاً فنّيّاً ينظر فيه أولئك الفنّانات والفنّانون التّشكيليّون.

نشأ مصطلح الطّبيعة الصّامتة في منتصف القرن الثّامن عشر، حيث تتركّز المعالجة فنّيّة ضمن نطاق ذلك الجنس الفنّيّ، في تشكيل محدّد تنظّم فيه الأشياء الجامدة، فظهرت لوحات الطّبيعة الصّامتة في عصر متأخّر، عندما بدأت الفنّانات والفنّانون يهتمّون بطبيعة الموادّ وحقيقة ملمسها، حيث أخذوا في معالجة تلك الأشياء المادّيّة في أعمالهم الفنّيّة، وكان نشاط الفنّانين في مزاولة ذلك النّوع من العمل الفنّيّ التّشكيليّ، يتخطّى نطاق تلك السّمات التي يوحي إليها ذلك المصطلح الفنّيّ المستحدث، إذ ظهرت لوحاتهم التي عالجوا فيها موضوعات الطّبيعة الصّامتة، مليئة بحيويّة التّعبير عن كنه الأشياء التي يعالجونها، فتوالى ظهورلوحات الطّبيعة الصّامتة، التي رسخت في عالم الفنّ، لتكوّن مجموعة متفرّدة قائمة في ذاتها في نطاق الفنّ التّشكيليّ، حيث برز العديد من الفنّانات والفنّانين في ممارسة ذلك النّوع من النّشاط الفنّيّ، الذي تجلّت فيه قدراتهم على تنسيق الموادّ والعناصر في مساحة معيّنة، بحسب قواعد محدّدة، ووفقاً لخصائص الذّائقة الفنّيّة التي يتّسم بها كلّ منهم.

اتّضحت معالم الابتكار التي تحدّثت عنها آنفاً، في تلك اللّوحة التي رسمتها الفنّانة التّشكيليّة خالصة هلال في عام 2000، حيث يندرج ذلك العمل الفنّيّ الذي أنجزته، في نطاق فنّ الطّبيعة الصّامتة، فأكّدت في هذه اللّوحة، أصالة أسلوبها الفنّيّ، ورسوخ قدراتها الفنّيّة، وإذا استرجعنا خصائص فنّ الطّبيعة الصّامتة، التي بيّنتها آنفاً، فإنّه يتأتّى لنا أن نتبيّن دقّة التّعبير الفنّيّ الذي حقّقته الفنّانة خالصة هلال في هذه اللّوحة، التي ظهر في تكوينها، شيئان اثنان يندرجان في عداد تلك الموادّ، التي تتّخذ موضوعات فنّيّة في هذا الجنس الفنّيّ التّشيكليّ، وهما الآنية ومجموعة الأزهار، ونرى في هذه اللّوحة، اللّمسات اللّونية التي حدّدت تخوم موضوعات هذا العمل الفنّيّ، حيث ظهر بوضوح على الإناء،الظّل الخاصّ، الذي عكسه جسم هذا الإناء في الجهة المعاكسة للضّوء، على الشّكل نفسه، ويسمّى أحياناً ذلك الظّلّ بالظّلّ الذّاتيّ، وهو الظّلّ الذي يلقيه الإناء على نفسه، مثلما ذكرت آنفاً، وتبدّى أيضاً الظّلّ المحمول، الذي يصدر من الجسم الذي يوجّه إليه الضّوء، ويسمّى في بعض الأحيان ذلك الظّلّ بالظّلّ المرمي، وهو الظّلّ الذي يرميه الإناء على السّطح الآخر، وكانت منطقة الظّلّ واضحة وبيّنة التّفاصيل، ويتطلّب تحقيق ذلك الوضوح في هذه المنطقة، امتلاك شعور مرهف وإحساس فائق في قياس الضّوء والظّلّ.

ظهرت في خلفيّة اللّوحة الألوان القاتمة، بينما كان إشراق اللّون الأخضر، يخفت من جرّاء امتزاج ذلك اللّون البارد مع اللّون الرّماديّ، وبرز اللّون البرتقاليّ المشرق، مشيراً إلى مصدر الضّوء الذي امتدت أشعّته إلى الإناء،بينما كانت تدرّجات اللّون، ظاهرة انطلاقاً من جهة الزّاوية العليا اليمنى، التي انبعثت منها أشعّة الضّوء، فبدت تدرّجات الألوان المتوالية، تساير الأشعّة المنبعثة من مصدر الضّوء، الذي ينبعث من ناحية العليا في هذه اللّوحة، وكانت تفاصيل الموضوعات الظّاهرة في هذه اللّوحة جليّة مشرقة في إشعاعها، بينما ظهر اللّون الأخضر الغامق في مجموعة النّباتات المضمومة معاً، حيث ظهر مركز اللّوحة، محقّقاً التّوازن بين الألوان الموزّعة في أرجاء اللّوحة، وأظهرت أشعّة الضّوء تألّق الزّهور اللّامعة التي اتّسمت بلون البرتقاليّ، الذي زاد توهّجه التّباين بينه وبين مظهر الخلفيّة التي لونّت بالرّماديّ.

ظهرت الأزهار المجموعة في الإناء، مشرقة في لونها البرتقاليّ، حيث لاح تأثير أشعّة الضّوء على مظهر تلك الأزهار، بينما كان النّباتات الخضراء اللّون، تأتلف مع تلك الأزهار، فبدت تلك المجموعة من النّباتات، مشّعة في منتصف هذه اللّوحة وتفيض بوميض رقيق المظهر، وإن كانت تتوزّع في أرجاء هذه اللّوحة مظاهر الضّياء اللّامع، والظّلال القاتمة، فلم يكن التّنقّل بين أنحاء هذه اللّوحة، يجري من دون أن يفضي إلى استكشاف تلك المغازي التي تضمّنها هذا العمل الفنّيّ، حيث أفردت تلك المساحات اللّونيّة المتنوّعة، للكشف عن دخائل الإنسان وسريرته، فكان التّعبير الفنّيّ الأخّاذ عن التّباين الحاصل بين الضّوء والظّلّ، يظهر طبيعة نفس الإنسان التي تتوزّع أحوالها بين الخير والحبّ، والظّلم والعناء، فعندما ننتقل من إشراق اللّون الأخضر، الذي كان يخفت تدريجيّاً بامتزاجه مع اللّون الرّماديّ، حتّى نصل إلى قتامة الظّلال، نكون قد وقفنا على أحوال الشّعور، الذي يتنقّل بينها الإنسان، وتتأكّد تلك المعاني التي ذكرتها، حينما نتبيّن حضور ملامح الوجوه التي كانت موزّعة في أرجاء هذه اللّوحة، التي كانت توالي اللّمسات اللّونيّة المتباينة فيها، يواكب تدرّج وتنوّع الحالات النّفسيّة عند الإنسان، التي عبّرت عنها قسمات الوجوه التي ظهر فيها الإيحاء المعبّر عن أحوال النّفس، وهذه الفكرة المبتكرة التي لجأت إلى تأكيدها الفنّانة خالصة هلال، زادت من قوّة إيحاء تلك الموضوعات التي عالجتها، حتّى بدت التّفاصيل اللّونيّة التي بدت فيها الأشياء الظّاهرة في هذه اللّوحة، وثيقة الصّلة بأحوال النّفس وسرائرها الكامنة العميقة.

التعليقات


إضافة تعليق