مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (30)

سنة النّشر 2009

ما لبث الشّابّ صلحي الوادي أن شدّ الرّحال، إذ سافر إلى مدينة لندن، حيث نوى أن يتابع دراسته الموسيقيّة فيها، وقد كان القدر له أيضاً بالمرصاد في هذه المدينة، فهيّأ له أن يلتقي بشريكة حياته سنثيا الوادي، التي ذكر في جمل وجيزة طريفة قصّة التقائه بها، وإن كان يشير دائماً إلى وجود زوجته سنثيا ضمن الهيئة التّدريسيّة، في سياق حديثه عن المعهدين الموسيقيّين اللذين أدارهما، وهما المعهد العربيّ للموسيقا، والمعهد العالي للموسيقا، بيد أنّ لا ريب في أنّ ذاك الحديث الوجيز لن يفي حقّ تلك العلاقة التي نشأت بين صاحبي هاتين الموهبتين الموسيقيّتين، في الإخبار عنها، فقد ألّف بينهما القدر، وجمعهما شغفهما بالموسيقا الجادّة، وكان الفنّان صلحي الوادي، تحدّث عن تلك الرّابطة التي جمعت بينه وبين زوجته سنثيا، فقال: "درست في لندن من عام 1952 حتّى عام 1960 كنت أحضر إلى دمشق كلّ عطلة صيف. وخلال دراستي تعرّفت على زوجتي سنثيا حيث كنّا في الأكاديميّة الملكيّة ضمن دفعة واحدة. كانت هي بفرع البيانو وأنا بفرع الكمان. وكنا نلتقي بمادة الانسجام الهارمونيّ. فحصل انسجام عاطفيّ. وحين تخرّجنا وقرّرنا أن نربط حياتنا ببعضنا جاءت معي إلى دمشق عام 1954 قبل زواجنا في زيارة حيث تزوّجنا في العام التّالي. وأوّل ما حصلت عليه في دمشق ضربة شمس كادت تودي بحياتها وبعد إتمام دراستنا تزوّجنا".

تميّز الموسيقار صلحي الوادي بإقدامه على أن يأخذ نفسه بالمبادرة إلى أن يأتي الأفعال، التي تشكّل قوام النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ في سورية، فلم يكن يتوانى في بناء تلك المناشط الفنّيّة الرّفيعة، فقبْلَ أن يُنشأ المعهد العربيّ للموسيقا بدمشق، كان الموسيقار صلحي الوادي جمع ذات مرّة بعضاً من العازفين محبّي الموسيقا الجادّة، وكوّن من هؤلاء الأفراد فرقة موسيقيّة، ويبيّن ذلك التّصرّف الذي بدر منه، خاصّيّة هامّة تميّزت بها شخصيّته، إذ كان سبّاقاً إلى أن يشتقّ السّبيل الفنّيّ الموسيقيّ الجادّ، في ميدان الأنشطة الفنّيّة التي كانت تمارس في سورية، ويميط ذلك التّصرّف أيضاً اللّثام عن تلك المطامح الكبيرة، التي كانت تمتلئ بها نفسه في ذلك الأوان من سني الخمسينيّات، التي كان تحدّث عن نشاط فنّيّ موسيقيّ زاوله حينئذ فيها، إذ قال: "في إحدى العطل الصّيفيّة التي قضيتها في دمشق أثناء دراستي في لندن، جمعت عدداً من الشّباب المهتمّين بالموسيقا والمتحمّسين لها. كان منهم عبد الفتّاح سكر وأخيه وهيب، ود. صادق فرعون، ورفاه قسوات (موجّه الرّياضيات حاليّاً) وزهير بقدونس رحمه الله، وتيسير عقيل عزف على التّشيلو، وعبد الفتّاح الفقير عازف أوبوا، وشكري شوقيّ عازف كلارينيت، والعديد غيرهم. وبلغ عدد أعضاء الفرقة عشرين عازفاً وكنت أعدهم بأنّنا قريباً سنحدث فرقة سيمفونيّة وأنّ أوضاعهم سوف تتحسّن".

التعليقات


إضافة تعليق