مقتطفات من كتاب إنعام الأنغام (62)

سنة النّشر 2009

كان بعض أهالي الطّلبة يعارضون أبناءهم في عزمهم على متابعتهم دراسة العلوم الموسيقيّة، وإذا كان الموسيقار صلحي الوادي قد تشكّى من أولئك الأهالي الذين يحولون دون أن يواصل أبناؤهم التّحصيل العلمي الموسيقيّ، فإنّه لم يفته أن يشكر أولياء الطّلّاب الذين يشاركون في تنفيذ تلك الأعمال الفنّيّة الموسيقيّة، التي يؤدّيها ذاك المعهد العربيّ للموسيقا إلى الجمهور، وإذا كنت سأذكر الشّواهد التي أملكها من النّصوص والوثائق والمراجع المكتوبة، فإنّي أذكر كما يعلم جيّداً كلّ من حضر حفلات الفرقة السّيمفونيّة الوطنيّة السّوريّة، وفرقة موسيقا الحجرة، أنّ الموسيقار صلحي الوادي كان في ختام تلك الحفلات الموسيقيّة، يشكر دائماً أهالي الطّلبة الذين يشاركون في العزف في تلك الحفلات، إذ كان يكبر تفهّمهم قدر ذلك النّشاط الفنّيّ الموسيقيّ، الذي يقتضي تحقّقه أن يتيحوا لأولادهم مثابرتهم على مزاولته، فقد قال الموسيقار صلحي الوادي في سياق حديثه عن الأنشطة التي يقدّمها ذاك المعهد: "أخيراً لا أنسى التّوجّه بالشّكر للأهالي الكرام الذين يأتون بأولادهم لدراسة الموسيقا وينتظرونهم السّاعات الطّويلة، ويحثّونهم على التّعامل الجدّيّ مع الموسيقا، لقد اختلفت الأمور كثيراً عمّا كانت عليه في السّابق، وحسبنا هذا الأمر كدافع للاستمرار وكمؤشّر على صحّة خطانا، وأنّ الجيّد له جماهيره، وليس صحيحاً ما يقال في اتّجاه غير هذا الاتّجاه".

لا يشقّ على من يتتبّع ذلك التّدرّج الذي تبلورت به فكرة إنشاء المعهد العالي للموسيقا، أن يرى تلك الحاجة إلى أن تبنى مؤسّسة فنّيّة علميّة، تتيح للطّلبة أن يواصلوا فيها تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، بيد أنّ ذاك المعهد يسدي صنيعاً آخر، يتمثّل في وضعه حدّاً لهدر تلك المواهب الموسيقيّة، ولنزف تلك القدرات الفنّيّة الرّفيعة، التي يهاجر أصحابها من بلدهم سورية، قاصدين سائر دول العالم، حيث يتابعون تحصيلهم العلوم الموسيقيّة، ليزيدوا في ذاك المقدار الكبير الذي تخسره الأمّة العربيّة من جهود أبنائها، الذين يرحلون عنها، وقد تحدّث الموسيقار صلحي الوادي عن تلك الفوائد التي تعود من إنشاء المعهد العالي للموسيقا، إذ قال: "لنبدأ من أحلامنا عمّا كان يجب أن يكون عليه المعهد في البداية: 1961 كما ذكرت... انطلقنا نحمل أحلاماً كانت أكبر من الواقع، ولا تتناسب مع بنية المجتمع آنذاك.. فالمجتمع طور النّموّ وبنيته غير ثابتة، ويؤلّف هذه البنية عقليّة خاصّة وعادات وتقاليد من نوع ما لا تنسجم مع طروحاتنا، ومن ناحية أخرى الطّالب الذي تابع الدّراسة إن سمح له فإنّه يترك المعهد بعد فترة بحثاً عن عمل أو مصدر رزق أو يسافر للاختصاص دون عودة.. وكم هو مؤسف أن لا نحصد الثّمار التي نزرعها.. ففي لحظة نضوجها وعطائها يقطفها غيرنا.. وذلك لأنّ كثيراً من الشّباب الذين أوفدوا وعادوا، صدمهم الواقع في مجتمع لم يجد قيمه بعد، مادّيّة كانت أم روحيّة.. وأعتقد أنّ سفر الطّالب في سنّ مبكّرة قد يفقده انتماءه إلى وطنه الأمّ.. وهذا سبب خسارة كبيرة للمعهد.. إضافة إلى أنّ واقع المعهد العربيّ للموسيقا أيضاً لا يساعد على التّوسّع والإغناء... أمّا الآن ومع افتتاح المعهد الجديد "المعهد العالي للموسيقا" فسنتلافى مشكلة إيفاد الطّلّاب حيث سيتابعون دراستهم العليا هنا في بلدهم، ولم يعد بحاجة لأن يحمل آلته ويرحل..".

غلاف كتاب إنعام الأنغام

الملصق الإعلانيّ المنشور بمناسبة صدور كتاب إنعام الأنغام

 

التعليقات


إضافة تعليق