سطعت أنوار المعرفة من الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وانتشر ضياؤها النّيّر في أصقاع المعمورة، وكانت ارتفعت مكانة الكتاب في أثناء ازدهار تلك الحضارة، وطبّقت القواعد القويمة في العناية بالكتب، حتّى إنّ الطّرائق التي سلكها العرب في تناولهم شؤون الكتب في ذلك الأوان القديم، إذا قورنت بتلك السّبل التي تتبّع في أرقى المجتمعات في عصرنا الحاليّ، في معالجة أحوال الكتب، لبرز العرب القدامى وتفوّقوا على سائر الأمم في الحرص والمحافظة على الكتب، وما زال ذلك النّهج الذي اختطّه بناة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، يعتبر النّبراس الهادي إلى أنجع السّبل، التي تفضي إلى الانتفاع من كنوز تلك المعارف التي تنطوي عليها الكتب، فكانت مساعي العرب التي حقّقوها في محافظتهم على الكتب، هي السّند الثّابث، والسبق الرّاسخ، لأنشطة المكتبات، التي يزاولها النّاس في زمننا الحاليّ في أقطار العالم، فقد أولى العرب الكتاب، الاهتمام الذي يليق به، وقد بدأت العناية بالكتب، منذ فجر تلك الحضارة، ففي مستهلّ القرن الهجريّ الأوّل حتّى "قبل أن يظهر الورق كانت للعلماء مكتباتهم وقد ذكروا أنّ عبد الله بن عبّاس حين توفّي أخرجت من بيته أحمال من الكتب"(1)،فكان إمام التّفسير وترجمان القرآن "محبّاً للعلم، وشغوفاً بالدّرس"(2)، وقد انطلقت نهضة واسعة شاملة منذ بزوغ تباشير الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

عنى العرب بالتّرجمة التي هي وسيلة التّواصل والتّعارف بين الشّعوب، علاوة على أنّها الأداة التي تستخدم لإغناء التّجارب التي تنشأ عند النّاس، فأقبل العرب على التّرجمة، بغية التّعرّف على أحوال الشّعوب التي التقوا بها، والاطّلاع على المعارف المتوفّرة عندهم، وقد أتمّ العرب مزايا التّرجمة، بتحقيقهم التّفاعل المثمر مع صنوف المعارف التي ترجموها، فأضافوا إلى أبحاث المعرفة الكثير من النّتاج المعرفيّ، حتّى أنّهم أنشؤوا أصنافاً جديدة من العلوم، لم تكن معروفة من قبل، فكانت التّرجمة فرصة لتحقيق الحوار، والتّفاعل الفكريّ الذي لا يكتفى فيه بتلقي المعارف، من دون إجراء النّقاش الذي يغني المواضيع التي تطرّق إلى البحث والنّظر فيها، وقد عنى الأمويّون بالتّرجمة، حيث كانت "بدأت في مكتبة خالد بن يزيد في حمص عصر التّرجمة في الإسلام"(3)، فنقل علم الكيمياء من لغتي القبطيّة واليونانيّة بأمر منه، وكان رواة العلم ينشئون الكتب، وكانت حقيقة تلك الحال التي برزوا فيها، تنفي الادّعاء بأنّ رواة العلم الأوائل لم يكونوا يكتبون، وقد كانوا "يسجّلون للتّذكّر وإنّما لا يتناقلون العلم إلّا مشافهة خوف التّبديل فيه"(4)، وكان الرّواة للحديث النّبويّ ولأخبار العرب والشّعر هم الذين "اهتمّوا بأن تكون لهم مكتباتهم الخاصّة، لأنّها من صناعتهم. وهي تكبر وتصغر حسب مبلغهم من الغنى. ولقد يبيع بعضهم كتابه من الفقر. ولقد يغسله ليكتب عليه أمراً آخر. فثمن الكتاب مرتفع وأجرة نسخة مرتفعة بدورها"(5)، فكانت العرب قد ابتدأت في انتهاج سبيل التّرجمة منذ زمن قديم.

والى الخلفاء العبّاسيّون عنايتهم بالكتب، حيث كان أبو جعفر المنصور (135_ 158ه، 752_ 774م)، اهتمّ بعلوم الحكمة، "فعكف المترجمون في أن يترجموا له كتب الطّبّ والنّجوم والهندسة والآداب"(6)، وقد ألّفت له الكتب في التّاريخ والحديث والأدب فأفرد لها مكاناً في قصره، وفي البدء كانت تلك الكتب على مقربة منه، حيث خصّص لها خزانات في قصره لحفظها(7)، وكان المنصور يسعى إلى أن يجتلب الكتب من بلدان شتّى، إذ "طلب من إمبراطور بيزنطة أن يرسل له أعمال إقليدس والمجسطي لبطليموس"(8)، وهو كان حفيّ بالكتب، حيث وصّى بها ابنه محمّد المهدي الذي كان ولي عهده، إلّا أنّ كان المهدي قليل العناية بالكتب، بسبب انشغاله بمتابعة الأحداث الجارية في حاضرة الخلافة في بغداد، فضعفت حركة الترجمة في عهده، و"تجنّب العلماء ترجمة كتب الحكمة والنّجوم والكتب، التي تبحث في الملل والنّحل والأهواء والمعتقدات"(9)، وقد كانت باكورة التّرجمة في عهد الدّولة العباسيّة، هو كتاب إقليديس، الذي كان أوّل كتاب يترجم من اليونانية إلى العربيّة، وقد خصّص المنصور خزانات لهذه التّرجمات، وغيرها من المخطوطات القيّمة في مجالات شتّى من أنواع المعرفة، حتّى نهاية عهده كانت مخطوطات التّراث ودفاتر التّرجمة والتّأليف، تحفظ ببغداد في قصر الخلافة، الذي ضاق عنها على الرّغم من رحابته واتّساعه.

استؤنف الاهتمام بتأليف الكتب في عهد هارون الرّشيد (170_193ه، 786_808م)، واتّسعت أيضاً عمليّة التّرجمة من لغات مختلفة، فنمت أعداد المترجمين، واستدعت زيادة  كمّيّة الكتب المؤلّفة والمترجمة، إلى البحث عن مكان تحفظ فيه تلك الكتب، فكانت حال المعرفة في عهد الحضارة العربيّة الإسلاميّة، بحراً بلا حدود، ولم يكن يتوانى الرّشيد في أن يرفد خزائن الكتب بمصادر إضافيّة من المؤلّفات والتّراجم، وما إن رأى ضيق ذلك المكان الذي أودعت فيه الكتب، حتّى فكّر في أن يخرج الكتب والمخطوطات، التي كانت تحفظ في جدران قصر الخلافة، بعد أن تضخّم رصيدها من التّراث المدون والمخطوطات المؤلّفة والمترجمة، وقرّر أن ينقل تلك الكتب إلى دار واسعة، لتكون "مكتبة عامة مفتوحة أمام الدّارسين والعلماء وطلّاب العلم، فكان أوّل ما بدأ به هو تأسيس دار رحبة كبيرة نقل إليها كلّ كتب قصر الخلافة وسمّاها بيت الحكمة"(10)، وقد ذكر جمال الدّين القفطيّ، الذي كان جمّاعاً للكتب، وكثير العناية بمكتبته النّفيسة "أنّ بيت الحكمة كان رمزاً للمناحي العلميّة المختلفة، فهارون الرّشيد هو الذي ابتدع فكرة هذا المعهد وتبنّاه ابنه الخليفة المأمون والحكمة في رأي العلماء المسلمين هي العلوم الإلهيّة والعدديّة وصناعتا الطّبّ والتّنجيم"(11)، وإذا كانت عناوين الكتب تدلّ على المعاني التي تحتويها، فإنّ اسم بيت الحكمة، يوحي إلى المعاني التي كانت تؤكّدها فكرة إنشاء تلك الدّار، التي أطلق عليها اسم بيت الحكمة، الذي خصّص له تراجمة يتولون ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية، وناسخون يشتغلون بنسخ الكتب المترجمة والمؤلّفة، لتضاف إلى خزائن الكتب، وكان لتلك الدّار أيضاً، مُجلِّدون يجلدون الكتب ويعنون بزخرفتها.

كان هارون الرّشيد أحد أعظم خلفاء بني العباس رغبة في العلم، وأصبحت بغداد في عهده منارة العلماء، ومقصد المؤلّفين،ومنبتأهلالفضلومقرّنقلةالعلم، حيث كانت "وجهة العلم والأدب ومركز التّجارة والصّناعة والفنون"(12)، وكان الرّشيد يجود على العلماء والمترجمين، الذين كانوا يترجمون له مؤلّفات الكتّاب اليونانيّين القدماء، وكان أكثر الخلفاء إكراماً للعلماء، ولم يكن يفوقه في إغداقه العطاء على المؤلّفين والمترجمين، إلّا ابنه الخليفة المأمون، وقد قيل أنّ أيّام الرّشيد "كلّها خير كأنّها من حسنها أعراس وقد انعكست هذه الأيام على خزانة بيت الحكمة، التي اتّسعت وكثرت كتبها بين ما أُلف وما ترجم وما نسخ، كما اتسعت مرافقها وزاد عدد العاملين فيها"(13)، وكان في حملاته العسكريّة التي جابه فيها الرّوم، قد سار على النّهج الذي اتّبع في الفتوحات الإسلاميّة، فكان هارون الرّشيد يدرج في عداد الأهداف، التي كان يرمي إليها، في خوضه غمار المعارك، مقاصد علميّة تجلّت في "جلب نفائس المخطوطات اليونانية إلى بغداد لتعريبها."(14)، وبذلك التّصرّف الذي كان يبدر من الخليفة هارون الرّشيد، كان يتأكّد طابع الفتوحات الإسلاميّة، التي كانت تحقّق الهداية والنّفع للنّاس جميعاً، وعندما فتح هارون الرّشيد مدينتي عموريّة وأنقرة "أمر بالمحافظة على مكاتبها، وانتدب العلماء والتّراجمة من بغداد لاختيار الكتب القيّمة منها، والتي يندر وجودها عند غيرها من الأمم، فاختاروا الكتب النّفيسة النّادرة في الطّبّ والفلك، ونقلوها إلى بغداد"(15)، فكان إنشاء بيت الحكمة أحد الرّكائز التي قامت عليها، نهضة العرب إلى إغناء ذخائر الفكر، وإنماء المعرفة العلميّة، التي ازدهرت على يد العلماء والمؤلّفين، الذين انضووا إلى تلك الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

التعليقات


إضافة تعليق