مقتطفات من رواية أناشيد الألم (49)

سنة النّشر 1987

ارتقينا في الدّرج المؤدّي إلى مسكني، فألفيتها تلحظ كلّ شيء حولها بانتباه، وولجنا المنزل، فشرعت تنفض هذا المأوى بنظرة ثاقبة، فتكلأ بصرها في أثاثه، وتمدّ نظرها إلى معالم الطّريق والطّبيعة من خلال النّافذة.

تأمّلت في كلّ تلك الأمكنة، التي طالما كانت تغترق نظري معالمها، وحدّقت ببصرها إلى الجدران والأرائك والسّتائر، لتطالع فيها محتويات هذا المنزل، التي انطبعت أشكالها في خيالي، ونظرت في الطّرائق التي اتّبعتها، في ترتيب أثاث الغرف، لتبحث فيها عن الدّلائل التي ترشدها إلى حقيقة طباعي، ودأبت في أن تنعم النّظر في أجزاء النّجاد، لتستطلع فيها نمط معيشتي، فعكفت على أن تتفحّص في رحاب مسكني، عن البيّنات التي توضّح طبيعة أفكاري، واستمرّت على أن تنبش عن أسراري التي أودعتها في أرجاء الحجرات، ثمّ حرصت على أن تجمع في خيالها صور تلك المشاهد التي رأتها، لتبرم حكمها وتبتّ رأيها في شأن تلك الأشياء التي اطّلعت عليها، وأخذتُ أتتبّع تلك الخواطر التي بدأت تتكشّف مظاهرها على جبهتها، وتتبدّى في عارضيها، فأستنطقها عن رأيها، وأستدلّ بها على معتقدها، وتوسّمت في نظرها تلك الرّغبة التي ساقتني إلى أن أتعرّف على كلّ أمر يحيط بها، وكلّ ظرف يشملها، فكأنّها هيئة من بدائع الخلائق وصورة من روائع الحسان، هي جديرة بالدّراسة وقمينة بالملاحظة، وربّما تماثلت بيننا بواعث ذلك التّدقيق، إلاّ أنّه تتباين تلك النّتائج المستخلصة، فكانت تدرك جميع عناصر تلك الأجواء التي أعيش فيها، وتعي ما نشأ في ذهني من أنماط التّفكير، فتتلقّف بنظرة واحدة، كلّ محتويات تلك المعرفة عن أحوالي، لما جبلت عليه من رهافة الشّعور، وقد ملكت نفوذ المنطق، واتّسمت بجزالة الرّأي، فإن جزتُ عهود الدّهر الطّويلة، بحثاً عن منابع تلك الأسرار التي يتدفّق مسيلها المدرار نحو نفسها، لن أدرك شؤونها الرّفيعة ومزاياها الرّاسخة، وإن نقّبت عن باعث تلك الأحلام التي تلقي بعبئها على مقلتيها وأهدابها الرّقيقة، لا أدرك من تلك المشاهد التي اطّلع عليها في معارفها، إلّا صورة من الجمال أشرقت في ملامح وجهها، وثنايا نفسها، من دون أن أحيط بهواجسها التي ترد إلى ذهنها، ولا أعي الخواطر التي تلوح في فكرها، ولا أتبيّن العاطفة التي تبعث مشاعرها، فأخلع عليها من الصّفات الجليلة، بما يخطر في خلدي من صدى تلك الأفكار التي سنحت في بالي، من دون أن أشحذ ذهني، وأعمل عقلي في إدراك سرائر نفسها.

التعليقات


إضافة تعليق