مقتطفات من رواية أناشيد الألم (39)

سنة النّشر 1987

ما برحت طرقات مدينة دمشق المقصد الذي أعتمده في مسيري، عندما أقدم على أن أتخفّف من وطأة الملالة التي كانت تعتريني، وكنت أطرح على قارعة الطّريق أفكاري المتجمّعة وأهوائي المندفعة، فلا غرو من أن تمتزج خواطري بمعالم تلك الشّوارع الممتدّة، التي كانت تحتضن ذكرياتي الغابرة، فأستاف في كلّ ناحية من هذه الطّرقات، عبير نجوى كانت نفسي طرحتها في دياجي اللّيالي، وأتنشّق في كلّ زاوية ريّا ذكرى، سرعان ما كنت أتضمّخ بطيبها الفوّاح، وأتعطّر بشذاها الذّكيّ، وما برحت تقابل هذه المدينة تهورّي وطيشي بالمغفرة، فتصفح عن زلّاتي وتعفو عن هفواتي، فظلّت هي الملاذ الذي آوي إليه وأمتنع به، وتغمر نفسي الطّمأنينة حينما أتجوّل في أرجائها، فما تبرح تكلؤني عينها السّاهرة، فتحنو عليّ وترفق بي، فأحرص على أن أتصون من المعايب، وأتجنّب أن أتلطّخ بحمأة المثالب، كي لا أدنّس أرجاء هذه المدينة برعونة تصرّفي وطيش أهوائي، فأصبح وأنا أطوف في ربوعها، مثل ناسك يجول في رحاب معبده.

دأبت في أن أشغل نفسي بقيّة يومي، عندما أرجع إلى منزلي، بمطالعة بعض الكتب، فأواظب على القراءة، حتّى يحول بيني وبين أسطر الكتاب الذي أقرؤه، خاطر يطرأ بغتة على بالي، فيشوّش فكري، فلا يلبث أن يزيغ بصري، وينصرف نظري عن الكتاب، فأهرع إلى النّافذة، أرنو إلى بهاء السّماء الموشّحة بالسّحب، وأرمق أغصان الأشجار المتفرّعة، وصفائح الحجارة المتراصّة على الرّصيف، علّني أسلو عن ذلك الهاجس الذي دار في خلدي، ثمّ أعمد إلى أن أستمع إلى معزوفات موسيقيّة جادّة، فأقعد على الأريكة وأصيخ إلى تلك الأنغام الرّقيقة، فتهيّج مشاعري الألحان العذبة، وتتغلغل في نفسي بلين وصفاء، فتثير فيها سورة الحماسة وحدّة النّشاط، ولا تلبث أن تتردّد أصداؤها في قرارة نفسي، فتبعث تلك الألحان اللّواعج الكامنة فيها، وتحثّني تلك القطع الموسيقيّة، على أن أستغرق في تتبّع تلك الألحان التي كانت تنطوي عليها، وأواصل الطّواف في أجواء الأنغام الرّشيقة الفاتنة، فأنصت لألحان تشايكوفسكي، حاضر الذّهن، ومنتبه الخاطر، ونقيّ الحسّ، وأرسخّت في نفسي موسيقا بيتهوفن صلابة العزيمة ومتانة الإرادة، ورفّهت عنّي موسيقا موزارت وبراهمس وليست وشوبان، فدفعت عنّي ألحانهم أوقار عنائي وآصار شقائي، وأدأب في أن أتلمّس أشعّة تلك المعزوفات الموسيقيّة المضيئة في فلك الفنّ، وأرهف السّمع إلى الألحان الحائمة في أصقاع الكون، وأصغي إلى ذلك الصّوت المتحدّر من عنان السّماء الشّاهقة، ليحيي موات الأرض وينعش المشاعر الجافّة، فيسطع ضياء ألحان أساطين الموسيقا لامعاً، وتمتدّ أصداء تلك الأنغام في السّماء، ولا يلبث أن يستقرّ بنفسي، فتستحيل خواطري إلى أنغام تجول في أجواز الفضاء، لتواكب ألحان تلك المعزوفات الموسيقيّة، التي تضرم في نفسي لهيب المشاعر، وتوقد فيها شعلة العواطف.

التعليقات


إضافة تعليق